(100 سنة غنا) والدهشة بالجارح .. حسين عبد الرحيم

محمد العسيري

 

إنها لكارثة أن تشعر بالتقصير، وتشتت البوصلة، وتجاهل قدر البشر رغمًا عنك.. فكتاب (100 سنة غُنا) للشاعر والكاتب محمد العسيري يكشف عن مؤرخ من نوع خاص، لأنه ليس مؤلَفًا تقليديًا عن الأغاني والسياسة وحسب، إنما يقف على الروابط المتينة داخل متن الثقافة الغنائية التي توارت، أو انزوت، في صيرورة التراث الجمعي المصري العتيق، ويكشف كذلك عن العلاقات الشائكة والملتبسة التي ربطت ما بين رموز غنائية عتيقة تجلت بالفرح والحزن، والسواد والبياض، في تراكم البنية الفكرية الثقافية الفنية والإبداعية في مصر.

«العسيري» يغوص في تاريخ الأغاني وعلاقاتها المتشعبة بكواليس السياسة، ويستعرض في هذا الجزء (الأغنية والسياسة) مناخًا كاملاً عبر نصف قرن تقريبًا، من 1910 إلى ثورة يوليو 1952، إذ يقدم في مؤلَفه الأثير المتناغم تفاصيل المحطات الجارحة في السياسة والفن والحلم، ما يدعونا لتذكر مكانة مصر في مفاهيم عدة، وعلى رأسها تأثير القوى الناعمة المصرية.

وعلى المستوى الشخصي؛ رأيت في فرشة (100 سنة غنا ـ الأغنية السياسية) قمة التفكيك لمساراتنا الحديثة والمعاصرة في إيقاع الأغاني ودلالات المسميات، والدافع لكتابة الشعر مثالاً وموقفًا، واللعب على ثقافة ووعي الشاعر أو الملحن من اسم إلى آخر، ومن رمز للتالي، ومن حاكم لمحكوم.

عن أغنيات عصور عرابي وسعد زغلول وناصر كانت تلك الأفكار تتفكك ثم تتلاءم في استحضار واجترار تلك العتبات الإيقاعية، إذا صحت التسمية، فيما يخص ظاهر معنى الأغنية، وليس الدافع لكتابتها، أو التلون الميلودي في ظل انعكاس تلك المؤثرات المرتبطة بحالتها، أو استقبال الجماهير لها وقت سماعها.. أي ميلودي هذا وتيمات تلون تختلف من سامع لآخر، ومن عصر لعصر، عبر سكك لأم كلثوم في أغانٍ بعينها، والأبنودي وعبد الفتاح مصطفى، ودور «وحوي يا وحوي» و«قولوا لعين الشمس»، وتلك الأنهار العذبة من «النهر الخالد» لحالات الغناء المصري التي تفردت بجمع سكك ومطارق ومطارح النوستالجيا، أو الحنين لزمن ولى ولكنه قادر بما يملكه من كتاب ومحللين، يملكون من الذائقة الفتية قبل الفنية ذائقة تلتهم وعيها في تسطير وتأطير دلالات لا تسقط بالتقادم، ولا بغبار العصر الآني.

كم استمتعت كثيرًا بما أفاض به الكاتب الإنسان من هموم في كتابه، وهي هموم كل مصري حقيقي، ما يجعلني أقول إن مؤلفه واحد من ركائز مشروع نهضة مصر، البلد التي لم ولن تمت طالما أن هناك مثل تلك المؤلفات التي تذكرك بعظمتها.

(100 سنة غنا) أبهجني وأشجاني، ورمى حجرًا ثقيلاً في الماء الراكد، إذ يكشف مسارات الغناء، وتأثير السياسة عليه، ويعلمنا أن «مفيش أغنية من غير سبب».

محمد العسيري

شاهد أيضاً

عبد الرزاق القاروني

أحمد متفكر: راعي الأدب بمراكش .. عبد الرزاق القاروني

  يشكل أحمد متفكر أحد الرموز التربوية والثقافية بمدينة مراكش.. أصدر هذا الأستاذ والباحث المراكشي …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية