يوميات بائع متجول (الحلقة الأولى) .. محمد نفاع

محمد نفاع

 

كنت بائعًا متجولاً أبحث عن قوت يومي.. في وطن لم يسع أحلامي يومًا ولا حقق آمالي. رماني في خلاء مظلم ككلب أجرب.. بلا دواء ولا غطاء ولا حب.

رآني في ذاك الصباح البارد جدًا. كنت منهكًا من شدة الألم والوحدة والخراب الذي أشربه كل مساء في حانات باردة ورديئة، أو بجردة بودراع بمحاذاة من السكة الحديدية. كنت أرتدي بدلة خضراء، وسروال دجين أسود، وحذاء أسود اشتريته من سوق لقريعة بمئتي درهم، ملمعًا بمنظر رائق وجميل.

لا أعرف لماذا طاردني ذاك البليد بدروب حي البرنوصي؟ لا أعرف! ربما لأني كنت أجمل منه أو ربما كنت أنقى منه!

صاح بصوت خشن: آجي انت. التفت كل المارين بشارع يسمى «شوفوني» نحوه مشدوهين لرعونة الصوت ومنظر صاحبه المرهب. حتى صديقي الشاعر الذي لم يكن يعرفني حينها، كان هناك. هو كذلك التفت مثلهم. نعم رأيته لم يتألم لحالي عندما قبضوا عليَّ كلص منبوذ، وأنا لست سوى شاب أنهكه الظلم والظلام والضياع والبؤس والوحدة واليتم والغدر.. لم يجرؤ على أن يصيح كما في كتابته على الأقل من أجل كلمة الحق.. ولا كل هؤلاء المارين الذين ما فتؤوا يعودون بأنظارهم إلى مؤخرات وصدور المتجولات في شارع «شوفوني» المليء بضجيج سيارات الأجرة البيضاء والحمراء، وضجيج المقاهي والحافلات، وبائعي الديطاي، والسيرورات والقمارة، وأصحاب الفراشات الذين يملؤون الشارع ازدحامًا.

الحق يا صديقي ضائع من زمن بعيد لا أثر له.

صاح في وجهي وهو يرتعش من شدة الغضب، والعياء الذي أصابه وهو يطاردني خلسة. أعرف أنه لن يستطيع القبض عليّ في مواجهة مباشرة في الشارع، أو حتى في حلبة ملاكمة: شديت امك دابا أ الزا.. بقات في الريحة.. ومسيري صباطك.

استفزني بشكل كبير. غضبت كثيرًا، وآش يدير الميت گدام غسالو؟

لحظة صحت في وجههم بقوة: راك ماكتعرفش انت مع من؟

في اللحظة التي اندهش لردي كنت قد وصلت لديور البوليس بعين السبع.. بعدما طرت من بين يديه القاسيتين كنسر جارح؛ لذلك تعلم صديقي أن تكون مخاتلاً ومحتالاً وذكيًا وقويًا عندما تكون في مواجهة مع من هو أقوى منك. الحرب خدعة.

* المغرب.

شاهد أيضاً

وائل خورشيد

29 سنة .. هكذا عشت .. وائل خورشيد

  أتكاسل حتى يكاد كل شيء ينهار، ثم أثب وثبات طويلة تسبق الجميع، ثم أقف …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية