يا حزامي .. نادية شكري

نادية شكري

 

لا أدري كم من الوقت مر بينما الرجل الكبير المعمم يمسك على نفس صراخه بنفس الجملة: ياحزااامي .. ياحزااامي.

سألت أمي التي استمسكت أصابعي الصغيرة بيدها أكثر وأكثر مع صراخ الرجل: يبكى لأن أحدًا سرق حزامه؟

وسط الدمع الذي رأيته يترقرق على وجنتيها، شدتني نحوها وهي تهزّ رأسها نافية: بيبكي على ولده.. ابنه تائه.

كثيرون في مثل سني يتحلقون حول الباكي المكلوم.. وتتلاقى نظراتنا عند وسط الرجل حيث مكان الحزام، لنرى حزامًا من القماش العريض يحتضن وسطه ويتدلى على ناحية، همهمات ودعوات تتناثر من حول الحشد، وصراخ الرجل حاضر وإن بات مبحوحًا قليلًا.

كيف يربط عقلي الصغير بين الحزام والولد الذي ضاع؟ عرف الكبار أن الرجل غريب وكان في زيارة لأحد أقاربه فسرقت المدينة حفيده.

يا حزامي.. يا حزامي.

اقترب منه فتى يحمل مقطفًا به قطع فحم بعد أن تفحّص شيبة الرجل الغريب، مال على أذنه في جلسته فوق الرصيف مبتل الحواف من بقايا ليلة ممطرة:

ـ قوم يابا.. البكا مش حيرجع الواد.. تعالى معايا أنده لك عليه في الشوارع حوالينا أو نروح الكراكون وتقولهم أوصافه.

قام معه الرجل مسلوب الإرادة وكأنه عثر على الفقيد توًا، يمسح بطرف شاله ملامحه المجعدة الباكية، بينما كانت أمي تبكي والنسوة المتحلقة يجففن أنوفهن:

«ربنا يصبر قلبك ياخويا».

«يعترك عليه في الأيام المفترجة دي يارب».

بينما كنت وأمي نسير خلف الرجل والفتى نسمع حكيه من أول ما نزل باب الحديد، قادمًا من كفر الزيات، وبمجرد ما أنزل «السلالي» من على رأسه ليعدل ملابسه.. والذي اهتم بما تحويه من مأكولات لأخيه الذي يدرس بالكلية أكثر من اهتمامه بالصغير، وبعد عدة خطوات تذكَّر أن الولد ليس بجواره، ترك «السلالي» وأخذ يلف ويدور حول نفسه فلم يجد السلالي ولا الولد.

ولدي  في سنك.. زيك كده.

ـ ماشى ياابه انت بس إوصف لى هدوم الواد واسمه.

ـ محمود.. اسمه محمود.. شبط فيّا عشان أشتري له لبس العيد من هنا.

وسط نهنهته أسمع أمي تقول:

«يا رب فى حق الشهر الفضيل يلقاه».

العجوز يسير أمامنا ممسكًا كليتيه وكأنهما سيسقطان.. اتجهت مع أمي حيث الفرن البلدي لتسلّم الكحك والبسكويت، تلمحني أضحك وأنا أتخيل نفسي حزامًا وأن لديَّ بالبيت أربعة أحزمة تصغرني.

وعبر شريط الترماي لمحنا العجوز ممسكًا بيد الصغير ويقبل بائع الفحم بينما تناثرت الزغاريد من النساء.

شاهد أيضاً

وسادة محطمة فوق أغصان الشجرة .. أمجد ريان

  هي حالتي الميئوس منها يئسًا بائنًا لذلك أجلس منكسر القلب، ورأسي مائل على نافذة …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية