يا ابنة القوافي المميزة بمرامِها ومراميها .. فاطمة يوسف ذياب

اطمة يوسف ذياب وآمال رضوان

 

ردًّا على قصيدة الشاعرة آمال عوّاد رضوان (إِلَيْكِ أَتوبُ غَمامًا)

 

عزيزتي آمال.. «سلامي لكِ مطرًا»

 في ليلةٍ أخيرةٍ مِن عامٍ يتأهب للرحيل، هذا العام الذي يشهد رعونة الزمنِ في فصولِ الغمام، تقولين: (إليْكِ أتوب غماما)، فتأخذني حروفكِ إلى خواءِ زمانِنا المر، حيث يتساكب عشقًا ووجعًا من بين حروفِ قصيدتِكِ وعريةِ الفصول، والمتعفرةِ بمداها الغموضي ما بين تيهٍ وضياعٍ، وأحاول لملمة الشرودِ والمسافاتِ الشاسعةِ بيننا، والتي تطاردكِ في انعطافاتِ عطفِكِ اللا متناهي، وعلى إيقاعِ حباتِ المطر، تتسربلني حروفكِ (المتسافكة) في تناغمٍ عاطفي، ما بين خواء هنا وخواءً هناك، وثمة أكثر مِن نقطةٍ متشاكِسةٍ بخريرٍ حريري الملمسِ والصوتِ، يتغلغل بدواخلِنا، يدغدغ أبجدية العطفِ والانعطافِ نحو مدلولاتٍ لفظية، تبدو غائرةً في جوفِ أرضِ ووجدانِ جسدٍ يرنو لروحِهِ المتواريةِ خلف (تعاريجِ) الضياع.

إنه حرفكِ الذي ما فتئ يحملني مِن ظلالِ شرودي، كي أنادمه وطنًا مل اللهاث خلف المواعيدِ التي شلحتْ ذاتها، وتعرتْ بزيفِ (ورقةِ التوت)، فلا جرعةٌ مِن مبسمِ فجرٍ، ولا قطرةٌ تروي ظمأ الأماني والأحلام. إنها الأنثى المندسة تحت عباءةِ أرضٍ كانتْ تدعى (وطنًا)، وظلتْ تدعى وطنًا، رغم (تذاؤبٍ) يعوي، لا بصمتِهِ بل بوحشية، يقتنص كل فرصِ الحياةِ التي يرنو إليها أصغر الحملان والأطفال، فهل تترك الذئاب فرصةً لذاك الحلمِ الساكنِ في طياتِ القصيدة، وتمنحه فرصة مداعبةِ حروفِ اللغةِ، في مجالِها الأنثوي الرابضِ بين تضاريسِ النص، المتوثب المتوهج ببراعةِ الرؤيا، رغم (أنات الآهاتِ التائهة)!

بهذه اللوحاتِ النصيةِ المفعمةِ بالصورِ ذاتِ الدلالاتِ الشتى، تحاول آمال عواد رضوان الإنسانة، أن تسكب حروفها المتوهجة بالآمال، الرافضة للتيهِ والضياع، والمقاومة لضبابيةِ الأحداثِ، حيث تعِد البناء المتشابك بين خلايا الروحِ وأعمدةِ البناءِ الحِسية، لتضعنا أمام تجانسٍ تام، وكما اعتدْناها دومًا في قصائدِها المتعددةِ، حيث يظل للوطنِ وللأنثى الوجه الواحد الذي لا يعرف الانفصام أبدًا. إنها الأنثى الرافضة لاجتراحِ اللحظاتِ اللازورديةِ الثمينةِ، في ظل هذا الصمتِ المتعالي والمحلقِ (بملكوتِهِ المجنح)، إنه صمت عالمٍ تآكلتْ فيهِ إنسانيته وهدِرتْ، بل ومرغتْ بوحلِ تذاؤبِهِ، لتظل إنسانيةً (تقتفي الخيالاتِ) بخطاها المرتبكةِ، بانتظارِ فرحٍ أو فرجٍ قد يحمله لها حل سِحري، أو ربما معجزةٌ مِن السماء. وحتى يتمخض الحلم والخيال ويلد حلاً، فإن الشاعرة آمال ستظل هكذا تتكئ على أنفاس (حرفِها الأعرج)، الذي قد يصل وقد لا يصل، لكنه عكازها المتكأ، الذي من خلالِهِ ترسل نصها الإبداعي الطاغي بعمقِهِ، الرافض لواقعِهِ، والمتحدي لكل فنونِ أدواتِ القصيدةِ غيرِ العادية.

وهل تملك آمال عواد رضوان غير إبداعِها؟ إنه رسالةٌ رومانسيةٌ عشقيةٌ سِحريةٌ تبدو وتتبدى، ولكنها مفعمةٌ برائحةِ عكاز النبي موسى عليه الصلاة والسلام، حيث نراها بحركةٍ ذكيةٍ تخترق أفق الما وراء، وبروحيةٍ عميقةٍ سلِسةٍ تشق حجاب السماوات، وكما الطفلة تحاول أنْ تتلصلص ربما على عِلمِ الغيْب، بمدلولِ من يريد أنْ يستكشفه قدرًا، قبل أنْ يصبح كذلك.

هذهِ هي الصورة الشائعة لحالاتِ من فقد الحيلة فوق الأرضِ، وراح يستقدم الغيب ويرجوه، أما مِن أملٍ قادمٍ؟ أما مِن حل آتٍ؟ هي القصيدة التي سبقتْ زمانها في استقراءِ حاضرِها، فمن منا لم يتمن لو أنه يستكشف ما بعد البعْد، أيْ ما بعد هذا التيهِ والضياعِ والطرقِ اللولبيةِ، ليرى لون ونكهة القادمِ مِن خلفِ عتمةِ الواقع؟

هكذا هي آمال الشاعرة المتجذرة بملكوتِها الشعري تخاطب الأنثى، فتسكب شِعرها الصافي، وتعجنه بدقيقِ حاضرِها وماءِ ماضيها، وتستوقفنا الصورة التراثية المتجذرة بفولكلورها، صورةٌ متعمقةٌ بتوْصيفِهِ وتوظيفِهِ، وملازمةٌ متلازمةٌ بحِرفيةِ أدواتِهِ وأدوارِهِ: العجين، الشوبك، صفاء الدقيق، الأقراص، الخبز).. إذن؟

هو الوطن الذي يعجن ويخبز، يحمر ويقمر أقمارًا في فضاءاتٍ أخرى وما زال يؤكل ويؤكل، والشاعرة آمال لما تزلْ تعاقره بحروفِ أبجديتِها، مستلهِمةً مِن تراثٍ متجذرٍ في خاطرِها، تحاول استقدامه في متاهاتِ خيالاتِها، وفي (خلوةٍ سهاديةٍ تتلوه قصائد وادعة)، لتنشره في نص أدبي، وتطرحه (على عتباتِ المرايا)، بفسيفسائيةٍ منتقاةٍ بأنفاسٍ (تتلاعب أرياشها).

إنها الشاعرة آمال عواد رضوان.. تظل مخلصةً للصورةِ الحِسيةِ الشموليةِ، مِن حيث البناء المتكامل المتجانس مع واقعِهِ الزمانكي، ليعاودها السؤال ذاته: كيف؟ كيف تحلق آمال في وطنٍ مقصوصِ الجناحيْن، مثقلٍ بسوداويةِ واقعِهِ؟

في حالتِها هذه، تشعر، كما نشعر نحن أيضًا معها، إننا جميعًا (ريشٌ في مهب الريح)، تتلاعب بنا الصدف والخطط، وتقذفنا إلى فضاءاتِ الهباء، لكنها الشاعرة المتمسكة بسراجِها اللغوي، تطرحه آمالًا تضيء فضاءاتِها الخاصة والعامة، لتقول بما يشابه القول: كلما ضاقتْ حلقاتها فرِجتْ، فبرغم (ارتجافِ عصافيرِ القلب)، تتقد في دواخلِها جذوة اللهبِ، وتنثره فوق ذرى الوطن، تستظله رغم فصولِ عريهِ الناعسِ السابتِ إلى حد الموت.

هي آمال عواد رضوان المفعمة دوْمًا بالآمال، تتقن حروف القصيدةِ الأخرى المكتنزةِ بثروةِ لغتِها، والمرتوية بينابيع جذورها، تحمل (بشرى المسرة) رغم أنفِ الزمان، لنراها تتواثب فوق خرائطِ الدهشة، وبماسيةِ حروفِها العشقيةِ تتعمد بقدس القداسة، وتغتسل بنورِ قناديلِ العشقِ والهوى، وتراقص عزفًا روحيًا على قيثارةِ فجرٍ تراه هي، وقد (يطوب مباسم المواسم..).

عزيزتي آمال الغارقة بفرادةِ أدواتها..

قد يتوه البعض عن مرامي نصكِ وما وراءه، لكنه نصكِ المخلص لواقعِهِ المتشابكِ في تعقيدِهِ حد الدهشة، فكل أنثى في شِعرِكِ وطن، ترسمينه بلوحاتٍ تخصكِ وتخص ريشتك، وإنِ كانت في مهب الريح، تظل ريشتكِ تقطر بحِبرِ الأماني والرؤى الموغلةِ في العمق.

هكذا وفقط هكذا، من هذا الواقع الزمنيِ والمكاني تنزفين الوطن قصائد أخرى، تعلقينها في متاحفِ النرجسيةِ الفوق عادية، وبما أنكِ تفعلين هذا لأغلى مِن الأغلى، أراكِ حريصةً على انتقاءِ صورك الشعرية مِن جذور الجذور، ومِن الصور اللغويةِ الممتلئةِ بتراثيتها، تستنبطين الحرف والصور، وتجيرينهما.

ماذا أقول لكِ يا ابنة القوافي المميزة بمرامِها ومراميها؟ لقد أشغلكِ الواقع بكل تعقيداتِهِ اللحظية وغير اللحظية، فكان غمس الريشةِ في فضاءاتِ شعرِكِ يقطر بحبرِ أمانيك، إنه الوطن الساكن روحكِ وقصيدتكِ، بل أكاد لا أخطئ إن قلت، إن معظم ما رسمتْه ريشتكِ كان نبراس حب لعتمةِ وطن، ومن رحم الألم يولد الأمل، سراجيا يبدو، لكنه في خاطرِكِ شمسٌ وشموسٌ.

عزيزتي آمال عواد رضوان: في آخر يوم من عامٍ حزم حقائب سفرِهِ ليغادرنا، بكل ما حمل لنا وللوطن مِن أوجاع، أراِك وأراني نستقبل العام القادم، بإيقاعٍ يتماهى مع عزف الروح، ويتكئ على سنن الأولين، وعلى ما حملته مغازي الإعجاز في خلايا الروح.

سلامي لك مطرًا ينبت لنا غلالًا مِن الآمال.

 

إليْكِ أتوب غمامًا .. آمال عواد رضوان

وعِرةٌ فصول وقْتِي الأرْعن.. يمْلؤها خواءٌ

ي ت س ا ك ب

يتعفر بِغموضِ حواء

وفي تعاريجِ التيهِ بِكِ.. أحْمِلني ظِلالاً شارِدةً

تتشاسع..

أطارِد مسافاتِكِ المتسافِكةِ.. في انْعِطافاتِ عطْفِكِ

وعلى إيقاعِ جِهاتِكِ

متماهِيًا بِي.. يشاكِسني حرير خريرِكِ!

***

دونكِ.. ينادِمني كأْس الندماء

يلْهث وفاء المواعيدِ الجوْفاء

يئِن بسْتانِي ظامِئًا

يعْوي الصمْت في قفصِ جوعِهِ

يتذاءب.. يتوعد حملان حكاياكِ

ي ت هـ ج ى .. أناتِ آهاتِي التائِهةِ!

***

كيف أجْترِح لحظاتِكِ اللازوردِية

وملكوت صمْتِكِ يعْتلي عرْشِي المجنح؟!

أمْضي إِليْكِ ضارِعًا

ترْبِكني خطوات خيالي.. أقْتفي ظِلال الفرح إِليْكِ

أتوكأ على.. أنْفاسِ حروفِي العرْجاء

أيْنكِ ترممين قِبب عتماتي؟

أيْنكِ تغبطين مهْر حرْفِي الموْلود بِكِ؟

***

مِنْ خلْفِ حِجابِ السمواتِ

نجْمِي الساهي يتلصص.. ينجم مناجِمكِ الجاثِمة بِكهوفي

يعري بِزمردِ لحْظِهِ.. ياقوتكِ الجاثِي في ثريا الفؤادِ

من ذا الأباحكِ بي؟

يا خميرة زمانِي الآثِم

تعْجِنين دقيق حاضِري بِماءِ الماضي

تسوين بشوْبكِ صفائِكِ أقْراص قرْباني

تخمرين خبز خيالاتي بِمتاهاتِ طهْرِكِ

وفي خِلوةِ سهْدِي.. أتْلوني قصائد وداعةٍ

على عتباتِ مراياكِ!

دورِي أنا مثْقلٌ بِفضائِكِ!

أسْراب أنفاسِكِ تلاغِف أرْياشي

تغْمِس شمْع جناحي بضوْءِ شِعْرِكِ الندِي

وتعششين فِراخ جمْرٍ بِفسيْفِساءِ أويْقاتي

أيا ريشة شِعْرِي الأخف مِنْ ريشِ الهباءِ!

ما جدْواي مِنْ أرْياشِ الذهبِ

وحجب سديمِكِ بترتْ مِنْقارِي

والقلب كسيرٌ.. أسير أثيرِكِ؟

***

كيْف أحلق بِقلْبِي مقْصوص الجناحِ

إِلى أسْدافِ قدْسِكِ؟

كيْف وعيون حرْفِي المقنعِ كفيفةٌ

تتوارى في عتْمةِ دواتِكِ؟

***

أيا إِلهامِي الأضْيع مِنْ سِراجٍ في شمْسٍ!

أقْفاص صدْري مجْبولةٌ بِطينِ اليبابِ

كلما لمْلمْتِ أكْوام رحيلِكِ الكافِرِ.. ترْتجِف عصافير القلْبِ

توقِدين بي جذْوة اللهبِ

فاحْطِبي في حبْلي وأعِينيني.. ولا تحْطِبي علي وتهْلِكيني

عل تعْويذتكِ تحل رِبْقتي

ولا تسْبِلي غرة الفقْدِ.. على جبيني!

***

كمْ هِي وارِفةٌ فصول وقْتِي العاري

حِينما تفِر الحدود التتشابح

وتنْسلين مِنْ ظِلالِ الظلماتِ الناعِسةِ

بشْرى مسرةٍ

حينما تتقافز أيائِل روحِكِ

تسْرح قطعان آمالي في واحةِ بوْحِي

لأتواثب فوْق خرائِطِ الدهْشةِ!

***

مياسةٌ عرائس فرحِي بِكِ

حينما غصون حرْفي .. تميد بِكِ

حِينما تتبخْتر بِغنجِها .. تتمايل بِدلالِكِ

تتوارفين عرى لِقاءٍ

حِينما تلفين بِاخْضِرارِ زفيرِكِ شِغاف شهِيقي

تشْرئِب أعْناق العِناقِ مزاحِمةً

وأ ت ف ت ت.. على أعْتابِ أنْفاسِكِ

***

أرْصِفة الصبْحِ تتعرى

حِينما تخْلِبها لذائذ الألمِ المؤجلِ.. في فِخاخِ الانْتِظار

وحورية الأمْسِ تسِح.. مِنْ بيْنِ أصابعِ الموسِيقا

تتأبطني مغْمورةً بي .. تطوووف.. دائِخةً

تحْمِل حلمي إلى معْمورةِ هذياني

هو الغد يأْتيني بِكِ.. وبعْد الغدِ يأْتِيني إِليْكِ

لِنتوشحْ بِفرْحةٍ تهِل ميلاد أحِبةٍ!

رحْماكِ

هيئيني بِكِ لِقدْسِ الفرحِ

لأتقدس بِعِطْرِ زهْدِكِ البري!

أدْمع!.. وأدْمع!.. وأدْمع!

 

من ذا يغْتسِل بِدمْعِ قناديلِ هواي إِلاكِ؟!

من ذا يبْتل بِوهْجِ ليالِي العذْراء كماكِ؟!

هي ذي ترانيمي.. إِليْكِ تتوب غمامًا

إعْزِفيني بِشارة حب/ كِرازة لِقاءٍ

على قيثارةِ الفجْرِ

عل بشاشة الغِبْطةِ.. تطوب مباسِم مواسِمي!

شاهد أيضاً

محمد لومعراف

لماذا الفلاسفة؟ .. محمد لومعراف

  ترجمة من الإسبانية عند أحد باعة الكتب، نواحي نوتردام وبعيدًا عن الزمن وأيادي القراء، …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية