وظننت حضنك ملاذي (4): لا تقرع الباب فهي فارقت الحياة .. عمرو خان

عمرو خان

 

حين تحيط بك الأكاذيب تشبث بحقيقة واحدة، لعلّها طوق النجاة لبر الأمان، وأبحث لك عن رفيق عائد من درب الجنون صفر اليدين ولكن قلبه مشبع بهوى الحياة.

توقفت تلك المرأة العربية عن الحديث مع صديقها المصري الذي استقبلته في منزلها، عندما استمعت لأذان الفجر، وكانا قد التقيا في الساعات الأولى من الليل.

في الحديث معه شعرت براحة، علي رغم استعادتها لبعض المشاعر المؤلمة والصادمة خلال سردها لقصتها، فسألته عن احتساء القهوة، ولكنه اعتذر لتأخر الوقت، وأن الباقي علي بزوغ الخيط الأول لضوء للشمس دقائق معدودة، وسيكون خروجه من المنزل عرضة للفت الأنظار، فأمسكت بيده لتطمئنه، فسرت في جسده قشعريرة شعرت هي بها،  ولكنه فضل أن يغادر علي أن يلتقيا مرة أخرى.

اتفقا علي أن يزورها للمرة الثانية في مسكنها، ولكن في ظهيرة يوم جديد، وأن يحضر معه حاسبه الآلي المحمول ليدربها علي بعض الاستخدامات التقنية، ولكنه تأخر، فاتصلت به، واعتذر مع تأكيد الحضور في المساء، كاد الانتظار يقتلها، فشعورها بأنه الصديق الذي كانت تبحث عنه لا يجعل لديها مجالاً آخر للتفكير عن سرعة انجذابها نحوه.

تكررت اللقاءات بينهما في شقتها وفي الأماكن العامة، وكان كلاهما يشعر برغبة شديدة تجاه الآخر، ولكن كان هناك حاجز نفسي لديهما منع التصريح بهذه الرغبة، فهي كانت تخشي أن يظنها داعرة، وهو يخشي أن تظنه انتهز فرصة احتياجها لرجل.. هكذا ظلا قريبين وبعيدين، إلا أن الحب بينهما قرر أن يعلن حضوره.

صارحا بعضهما بكل شىء.. أخبرها بعدم قدرته على الزواج منها بسبب ماضيها الذي سيظل عالقًا في ذهنه، وسيجعل من حياته معها جحيمًا.. كانت صراحته تلك بمثابة قطع الحبل الأخير الذي كانت تمسك به في هذه الدنيا، فقررت أن ترحل.

بعد أن افترقا لمدة أسبوع، في ذات صباح وجد رسالة منها علي هاتفه تقول: «ليتك تعرف ما أصبحت عليه بعد وجودك في حياتي، ماذا فعلت بي حتى صار كل من في الخلق لا يمكنهم أن يملؤون فراغًا تركته في غيابك، أصبحت كل الحياة، ولا حياة بدونك.. إن الشمس التي تشرق في صباح لا توجد فيه أنت أمام عيني أشعر وكأنها أصابها البرود، وفقدت دفئها، وكأن شروقها محض إرادة من الله، حتى الأيام التي لم أسمع صوتك فيها سئمت عدوها واحدة تلو الأخرى، وتحولت إلى سنوات ثقيلة في زمن بلا زمن.. الأشياء فقدت مسمياتها، والمعاني بهتت في كل شئ كان مبهجًا، هل تعرف أن الصور التي تعكسها مرآتي فقدت نقاءها، بالفعل هي صوري وأظهر فيها كما أسميتني في قصصك وردة؛ ولكن أصابني الذبول في غياب البستاني.. أنت قدري، وتعلق بك السر الذي به تسري الحياة فيِ، أننيِ زهدت الحياة بدونك، وهل لي أن أعيش حياة أقل جمالاً من حياتي بقربك، لو كانت؛ لكانت كذبة، لا يعيش التلميذ إلا في محراب العلم، وأنت معلمي الأول والأخير.. في محرابك التأمت جروحي وتجمعت أفكاري المشتتة، في دروب عقلي دبت أفكارك، وبكلماتك نطق لساني، ومن خلال عينيك رأيت كل ما هو جميل في دُنياي».

أرسل إليها الرد، وكان تفصيليًا، عن كل ما شعر به في الغياب، وأن الفراق لعنة، والقرب منها أشبه بتعويذة سحرية تكسبه السعادة، وأنه جهز لها مفاجأة، وسوف يأتي إليها بعد الظهيرة ليصطحبها في نزهة.

في الموعد كان هناك يمد يده ليضغط الزر، وجد باب شقتها مفتوحًا، دفعه بحذر، تقدم خطوات يرهف السمع دون صوت، عاد خطوات للخلف، ضغط الزر، لم تجب، تقدم يبحث بعينيه يمينًا ويسارًا فلم يجد شيئًا، سار في ممر الغرف إلى أن وصل غرفة النوم، وجدها ملقاة بجانب السرير غارقة في دمائها.. وكانت فارقت الحياة

شاهد أيضاً

حسن العاصي

فينومينولوجيا شقاء الوعي (2 ـ2) .. حسن العاصي

  مثقف مستهلك لا منتج ظل بعض المثقفين العرب ردحًا من الوقت يكابدون مقاربة الكثير …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية