وظننت حضنك ملاذي (3): حين تخالف تدابير القدر توقعاتك .. عمرو خان

عمرو خان

 

قلم رصاص قصف رأسه، وورقة بيضاء فوق مكتب صغير في غرفة غير مرتبة، تناثرت محتوياتها في عمق محيطها.. الملابس تعتلي الكتب المبعثرة في الأركان، ونافذة مستطيلة تطل على شارع عريض يخلو من المارة؛ تزاحمت في فراغه الرياح الباردة، وصفيرها عجز أن ينفذ بين الخط الفاصل عند ضلفتي النافذة.

فوق مقعد صغير، خلف المكتب، كان يجلس.. يعاني الغربة وسط فوضي المكان، تهاجمه الأفكار كغارات حرب باردة، وتنمو داخله رغبة أن يسجل كل ما تحدثت عنه تلك المرأة العربية، ويستبدل خواطره بقصتها.

كان تركها أمام منزلها منذ 30 دقيقة، وصورتها أبت أن تتركه كما فعل، وتجسدت أمام عينيه شحمًا ولحمًا، وسرت دمًا بين عروقه، وشعر بتأثره بكلامها عن سيرتها الأولى.. يبدو وكأنه آمن بها، ولكنّ صراعًا نشب بين عقله وقلبه، الأول يرفض التعاطف معها والثاني حريص على أن يفتح بابًا يمهد الطريق لها لتدخل عقله وقلبه بسهولة ويسر، ووسط هذا الصراع شرع في تسجيل الحكاية.

علق خلال حديثهما على أحد المواقف قائلًا: «لابد أن تُسرد في قصة»، فانتبهت لما قال، وأثنت عليه طالبةً منه أن يكتب حكايتها، وإن قُدّر لهما أن يلتقيا مرة أخرى تقرأها، وإن لم يكن، فيكون ما يكون، وسمحت له بتدوين كل الحقائق دون حذف.

قرر أن يكتب عن هذه المرأة المجهولة؛ وأن يقف في صف قلبه أمام عقله، وجرت مياه أخرى في نهر القطيعة مع الكتابة، وتدفقت الكلمات كالسيل، وشغل حضورها فراغ الورق الأبيض، وأطرب صوتها أذنيه بسيمفونية نسوية لم تُعزف لرجل قبله.. وكأنها أمسكت بيده تكتب قصتها نيابة عنه، بل كأنها أحكمت قبضتها فوق معصمه وبات قلمه أسيرًا لديها.

كان علي مشارف إنهاء تدوين الحكاية، في الوقت الذي استوقفه رنين الهاتف المحمول، كانت هي.. اعتذرت إن كان اتصالها سبب إزعاجًا له، طمأنها بلطف أن لا تكترث لذلك.. قال إنه بدأ للتو في كتابة قصتها.. فرحت، وطالبته بأن يكمل ما بدأه، وستحكي له المزيد من الأحداث، فشعر بأنه منساق مسلوب الإرادة نحوها، وأنها هي من مهدت له السير بكل يُسر في الطريق إلى قلبها، فدعاها للقاء في الحال، ولكنها اعتذرت عن عدم الخروج بسبب تأخر الوقت، واقترحت أن يلتقيا في منزلها سرًا، ولكن بعد منتصف الليل، بعد أن تخف الأرجل عن الشارع الذي تسكنه، وتسكن الحركة في البناية التي تقيم فيها، ويكون دخوله وصعوده إلى شقتها بالطابق الثالث غير ملفت للأنظار.

استقبلته بعد منتصف الليل في شقتها، وكان الحديث عن كل شىء، وبدأت القصة عن الرجل الذي سدد لها أجرة هذه الشقة التي تسكنها، وكيف طوق عنقها بجميل اكتشفت بعد ذلك أنه قيد أو سوار ناري من الحديد.. تصنَّع معها الشهامة والنخوة بعد أن تكررت بينهما محادثات هاتفية اعتادت عليها، في الوقت الذي لم تجد ملاذًا غيره للخروج من منزل شقيقها وزوجته المتسلطة.

أقنعها بأن تترك البيت بحجة حصولها على عمل كمرافقة للمسنين في أحد المنازل الخاصة، وبالفعل غادرت، ولكنها كانت رفيقته وعشيقته هو، فكانت خطوتها الأولى في درب من التنازلات لم يكن يعلم نهايته آنذاك إلا الله.

مرت الأيام الحلوة سريعًا، وكان الرجل المسن في غاية اللطف والشهامة والنبل، أصبح بين يدها مفتاح شقة تعيش فيها بمفردها، ومنحها فرصة أن ترمي بنفسها في شباكه بإرادتها، وتشعر بالأمان والاطمئنان والثقة فيه.. ثم بدأت الأوقات العصيبة.

بدأت بينهما معاشرة الأزواج، وأوهمها بالحب، وكانت في كل مرة تحاول أن تقنع نفسها بذلك، وفي قرارة نفسها تعرف أنها تدفع ثمن البقاء بمفردها بين أربعة جدران، وما إن ينتهي منها تشعر وكأنها كانت تُذبح بسكين بارد، وتمنت أن يتزوجها بدلًا من العيش في الخطيئة.. عرضت عليه رغبتها فتهرب بحجج وأعذار.. ألحت فأظهر وجهًا آخر.

توترت العلاقة.. امتنعت عن معاشرته، فاشتعلت شهوته وجن عقله.. أغلقت الهاتف لأيام، فشعر بغيرة تحولت إلى شك، واكتشفت بكل سذاجة أن تمتلك سلاحًا أنثويًا لم تكن تعرف عنه شيئًا، وتمكنت من ترويضه، وفهم ذلك، وبدأ في تغيير خطته، وأراد أن يرد لها الصاع صاعين، فكل منهما كان يعلم جيدًا احتياجات الآخر.. ضيّق عليها في النفقات، وهددها بعدم قدرته على الاستمرار في سداد  أجرة السكن، وأنها يجب أن تعمل لتوفير نفقات عيشها في القاهرة، ولما سألته عن مساعدتها، اقترح عليها مجالسة الرجال في شقتها بمقابل.

آنذاك تعرت أمامها أوجه ذلك العجوز القواد، وأيقنت أن أيامها في كنف هذا الوحش معدودة، وبدأت في مراسلته إحدى صديقاتها في وطنها، وحكت لها كل الحكاية، وطلبت منها المساعدة، وإرسال بعض المال إليها لتتمكن من العودة إلى الوطن، بعدما استحال العيش مع شقيقها ومع هذا القواد، ووعدتها الصديقة بأن ترسل إليها النقود على دفعات، خاصة وأن هناك قيودًا على تحويل العملات الأجنبية من وإلي مصر، فقررت أن تحدث شقيقها الأكبر، الذي رفض عودتها إلى الوطن، وفضل بقاءها في القاهرة، في رسالة شديدة الوضوح بأنه قد استراح بخروجها من الوطن، وكأنها صداع فارق دماغه، وعرض مساعدتها بإرسال مبلغ من المال كل شهر شريطة ألا تعود، فبقيت دون رجعة.

شاهد أيضاً

ليلى أولادهي

المرأة العربية والصور النمطية إلى متى؟ .. ليلى أولادهي

    عانت المرأة ولا تزال من انعكاسات التمثلات والصور النمطية على موقعها في المجتمع، …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية