وظننت حضنك ملاذي (1 ـ 3) .. عمرو خان

عمرو خان

 

كان صوت المذياع يملأ الفراغ في محيطها بصوت كوكب الشرق أم كلثوم «بعد ما صدقت إني قدرت أنسى.. بعد ما قلبي قدر يسلاك ويقسى.. جم بهمسة وغيروني كانوا ليه بيفكروني.. بيفكروني».. الدوائر الدخانية المتصاعدة من منقد البخور تشتبك في حلقات مع دوائر دخان سيجارتها.. كاد الملل أن يجعل اشتياقها إلى اللقاء يرفع راية العصيان بعنوان الغضب.. عيناها حفظتا عن ظهر قلب عدد بلاطات الممر الضيق بين صحن الشقة وبابها.. الدقائق تمثلت وحشًا كاسرًا ينهش بلا رحمة في بنات أفكارها بسيل من الأسئلة والتكهنات:

لماذا تأخر.. إنه وعدني بألا يكررها.. لقد باتت عادة لديه.. إنه يستمتع بهذا القلق الذي يعتريني عند غيابه.. ترى هل تأخر عن قصد أم طرأ طارئ هذه المرة؟

هكذا تحدثها نفسها.. ونيران الاشتياق تأكلها على مهل.. تدور برأسها تخيلات لهذا اللقاء منذ صدفة اللقاء الأول في أحد مكاتب الصرافة، كانت اعتادت التردد عليها في مطلع كل شهر لتغير بعض الأوراق المالية من العملة الأجنبية للعملة المصرية، يرسلها شقيقها الأكبر إليها لتدبر نفقات إقامتها في القاهرة، ولشراء بعض الأغراض للأهل والجيران في وطنها، كنوع من التجارة الحرة، ترسلها عبر شركات الشحن المنتشرة في محيط القاهرة.

***

كان يجلس في انتظار إنهاء الموظف إجراءات عملية التحويل النقدي في مكتب الصرافة، لراتبه الشهري الذي يرسله إليه مقر عمله خارج مصر كل شهر.. كانت تجلس في كامل أناقتها في المقعد المجاور له.. عطرها يفوح في المكان كطفلة تلهو وتركض في حديقة الألعاب، فجذبت انتباه الجميع دون مبالغة.. في أحد أركان المكتب خصص ركن فسيح للتدخين.. ينفخ داخله العملاء دخان سجائرهم في دقائق الانتظار المملة لحين إنهاء إجراءات التحويل.

ضجر الانتظار تبين على أوجه البعض، وكان منهم فشعر بحاجته إلى التدخين، كان يرقب مدخل الباب ولكنه تحرج أن يدخن واقفًا خارج المكتب، حرك ناظريه في اتجاه معاكس فوقعت عيناه على لافتة الـ Smoking Area نحوها توجه وأشعل سيجارته وهو يتفحص بريده الإلكتروني عبر هاتفه المحمول، دون أن يشعر وجدها تقف أمامه بقوام غزال وهيبة أسد، أعاد النظر إليها مرة أخرى من أسفل إلى أعلى، وحين تأهب للوقوف باغتته قائلة: «ممكن سيجارة»، تلعثم وارتبك وأدخل هاتفه في جيبه وبحث عن سجائره في جيب آخر، وظل يدخل يدًا ويخرج أخرى، فلمحت علبة السجائر بجوار مقعده، فمدت يدها تلتقطها فمالت بصدرها كطيف فلامس شعرها وجهه، واقتحم عطرها أنفه، فغاص في بئرها، فعادت هي دون أن يعود لحالته الأولى.

داخله تحركت أشياء وفي عقله توالت التساؤلات، وتاهت عيناه في بحور عينيها، شعر وكأنه ضائع في محيط هذه المرأة متفجرة الأنوثة، ولكنها شعرت بتأثيرها عليه، فأرادت أن تسترجعه من هذا التيه، وطلبت منه أن يشعل سيجارتها، ودون تردد فعل، ودون أن تستأذن جلست بجواره، ووضعت قدمًا فوق أخرى، فكشفت عن ساقيها، فزاد توتره، فأشعل سيجارة لنفسه.

سألته عن سبب تأخر إنهاء إجراءات التحويل الخاصة به، واستفسرت عن سبب مجيئه إلى المكتب، وهو كذلك، كانت لديها قدرة غير عادية على استقطابه بالحديث، وكان في حضرتها كدمية تسيطر هي على  حركتها على غير عادته، هو الشخص المعروف بالحدة والالتزام في العمل والصرامة في مسار العلاقات العملية والاجتماعية.

تبادلا أطراف الحديث، إلى أن نادى الموظف على كليهما لاستلام الحوالات المالية الخاصة بهما، غادرا المكتب، فسألها عن وجههتا، وعرض عليها أن يوصلها إلى محل إقامتها بسيارته، فاستجابت، وخلال الطريق، تحول مسار الحوار إلى الأمور الشخصية، فأطلعته على أسباب انفصالها عن زوجها، وكيف قررت أن تغادر الوطن إلى القاهرة لتعيش مع شقيقها الأصغر وزوجته السمينة الغيورة النكدية، وعن مرارة العيش في كنف هذه السيدة المتسلطة، والتي لا تفوت فرصة إلا وتسم بدنها بكلام عن متعة الزواج، ونصائح عن حجم الحرمان الذي ستعيشه وتعيشه بعد انفصالها، ناهيك عن التضييق عليها في كل شاردة وواردة، إلى أن ظنت في أحدهم الخلاص من هذه الزنزانة الفردية، وأوهمها بالحب أن تغادر منزل شقيقها بحجة حصولها على عمل استطاعت من خلاله أن تدبر نفقات الحصول على مسكن خاص، وعلى عكس ما ظنت بأنها ستجد الراحة بين جدران هذا المنزل، بدأت رحلتها مع المعاناة الحقيقية.

شاهد أيضاً

رحاب السماحي

رسائل من العالم الآخر (7 ـ 9) .. رحاب السماحي

  فى صباح أحد الأيام ذهبت لورانس لاختبار مهم، وقررت أن تسلك طريقًا مختصرًا تتفادى …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية