وصايا أوفيد فى فن الهوى

أي مريدي..

أوصيك بالمسارح تمارس فيها القنص، فما أسخاها إشباعاً لرغباتك.

هنا ستجد ضالتك المنشودة عشقاً وغزلاً:

إن شئت تذوقتها مرة، وإن شئت تذوقتها دهراً.

هل رأيت أرتال النمل غادية رائحة وهي تحمل غذاءها إلى مساكنها؟

هل تابعت أسرابَ النحل ترفرف فوق الأزهار وحول شجيرات الزعتر،

خلال الخمائل التي تؤثرها في أطيب الوديان شذى؟..

هكذا تخطر أسرابُ الحسناوات إلى حلبة الألعاب الحافلة.

ووسط تلك الشحود كثيراً ما طاش حكمي في اختيار إحداهنّ،

يمضين جماعات يتشوّقن إلى الرجال، كما يطمعن في أن يتشوّف الرجال إليهن.

حذار أيتها العفة أن تُطلي، فسوف يكون في هذه الساحة حتفك.

كنت يا رومولوس أول من بثّ الفوضى في هذا الموقع.

حين أمست من اختطفن من عشيرة «سابين»، متعة للأعزاب من رجالك، وحين كان المسرح المرمري لا تزال تعوزه الخيام الرائعة،

ولم تكن ردهاته تتوهج بعد بطلاء الزعفران الذهبي الوردي،

بل كانت كل ما تزدان به ورقات أشجار البالاتينوس، التي تتناثر عليه عرضاً، وكانت المنصة عارية من أية زينة.

كما كان القوم يجلسون على درجات معشوشبة،

تتراكم على رؤوسهم بشعرها الأشعب أوراق الأشجار المتساقطة.

ويتلفت كل منهم يمنة ويسرة،

لعله تقرّ عيناه برؤية من يتشهّاها من النسوة،

ويمتلئ بلهفته إليها قلبه.

في ذلك اليوم المشهود [يوم اختطف الرومان السابينات].

هبّ الراقص يضرب أرض المسرح بقدميه مرات ثلاث،

وحين بدأ عازف الناي يرسل أنغامه الساذجة

دوّى تصفيق القوم يجلجل جلجلة نابية.

وأومأ الملك إلى أتباعه المتلهّفين إلى اختطاف «السابينات» بالبدء،

فما أسرعَ ما وثبوا وكأنهم وحوش كاسرة، وقد تحشرجت حناجرهم بشبق عارم.

وأخذت أيديهم تهوى على مفاتن أجساد العذراوات لهفة نهمة:

كُنَّ يمامات مذعورات ينشدن الإفلات من بين مخالب صقور جارحة،

أو حملان رُضَّع يلمحن الذئب المفترس الجائع،

فزعات يهرولن هرباً بفرائص مرتعدة، وفي أعقابهن البرابرة المختطفون.

ومن فرط الخوف علاهن شحوب، وانطمس لون البشرة.

وإذا هنّ جميعاً يتولاهنّ خوف واحد، وإن كان لكل منهن مع الرعب مسلكها:

فمنهن من أخذن يشددن جدائلهن،

ومنهن من جمدن ذهلات لا يتحركن،

وواحدة تنتحب صامتة،

وثانية تصرخ عبثاً «يا أماه»،

وثالثة تجس دمعتها وتُنَهْنِه،

ورابعة تخالفهن مستسلمة، وأخرى تولي هاربة.

والموكب يمضي بعرائسه الأسيرات، يزددن فتنة رغم الذعر.

وحين تحاول إحداهن أن تتأبّى على آسرها، يضمّها إلى صدره الولهان،

يرفعها بذراعيه إلى أعلى ويناجيها:

«لِمَ تطمسين سحر عينك بالدمع،

وأنا لن أتجاوز ما فعل أبوك بأمك».

فن الهوى – أوفيد2

أي رومولوس

لك تهنئتي،

كنت فريداً.. تعلم وحدك كيف تسوق الأسلاب، يستملحُها كل محارب.

ومن أجل الأسلاب، أحببتُ أنا أيضاً أن أنخرط في سلك الجندية.

إذ انتقلت تلك التقاليد إلينا،

فغدت مسارحنا محفوفة بما يقع للجميلات من مخاطر.

فلا تفوتنك الحلبة حيث الجياد العريقة تتبارى،

وحيث تجد وسط الزحام مكمناً تتطلع منه إلى الحسناوات.

ولا حاجة بك إلى إيماءة رأس أو إشارة كفّ،

فأنت في غنى عن التلميح والمكاتيب.

قَرْ إلى جوارِ فاتنتك، فلا حَرَجَ عليك.

واقترب لصقَها قدر طاقتك،

واشكر زحمة الجالسين فوق الدرجات،

إذا أغلقوا السبل أمامها

فلم تجد مفرّاً من الاستسلام لدف جوارك.

بادر بتلمس موضوع يجذبها لمحاورتك.

وابدأ بما هو محط الاهتمام.

سلها في شغف مفرط:

«سيدتي، أيّ رهط من الجياد نشهد؟

واستحسن قولتها مهما كانت.

وحذار حذار،

أن تنسى التصفيق بحماس لتمثال فينوس صاحبة الجلالة.

لحظة يشرق في الموكب محمولاً فوق أعناق المتبارين.

وحين تلمح ذرة غبار تهبط على ثوبها فوق الفخذ،

فبأناملك في رفق ادفعها.

وإن لم تهبط تلك الذرة،

فتوهم واحدة هبطت… وادفعها أيضاً.

مباحٌ لك كل ما تتذرع به لشدّ انتباهها.

فإذا الثوب على الأرض تدلّى وشابَهُ قذى،

فثبْ وارفعه بيديك الحاذقتين،

فقد تجزيك لقاء ما أسديت،

بما لم تنله غيرك من متعة النظر إلى ساقيها.

وتطلع حولك لتطمئن إلى أن أحداً من الجالسين خلفك

لا يلمس منكبها النعم بساقيه غزلاً،

فأهون اللفتات قد تغرى عقولهن النزقة.

وتجديك كثيراً يدك الأريبة حين تسوى حشيّتها،

أو حين تميل بمروحة تدفع عنها لفْحَ القيظِ،

أو أن ترسى لقدميها متكأ.

هذي حيلٌ من غزل العصر، يبسطها سخيّاً جوّ الملعب.

و«الفُورم» أيضاً يمنحك الفرصة كاملة،

رغم رمال الأرض المبتلة حزناً، سخطاً

حيث تراق دماء لتسري عن الجمع.

ما أكثر ما يقتحم كيوبيد الساحة،

يطلق سهماً يردي أحد النظارة،

يصرعه وهو يتحسس كفّ فتاته ويثرثر معها،

يسألها عن البرنامج، وعن أيّ فريق فاز؟

بينا هو لم يدفع ما راهن به إلا من لحظة،

وإذا السهم يعاجله، فيرسل أنّاتٍ إثر الطعنة،

وينقلب لساعته فصلاً بين فصول العرض.

***

من عهد غير بعيد قدّم القيصر عرضاً.

يحكى معركة سالاميس البحرية بين الفرس واليونان

وفدت جموع الفتية والفتيات من مشارق الأرض ومغاربها،

وكأن الخلق جميعاً قد حشروا في روما حشراً،

واعجبا

أيفتقر امرؤ في مثل هذا الجمع الغفير إلى خليل!

كم من لمسة حب غزت قلوب نفرٍ من أهل روما بسهام العاشقين الغرباء!

***

قيصر يتأهب كي يطوي تحت لوائه ما بقي من العالم خارج سطوته.

وأنت أيها المشرق النائي، لسوف تجثو إلْيوم «طرواده» تحت أقدامنا.

أبشر يا كراسوس أنت وولدك في لحديكما.

لتدفعن الجزية أيها البارثي.

وأنت أيتها البيارق التي دنسها البرابرة،

آن لك أن تنضي عنك الخزي، و ترفرفي ثانية في الأجواء.

فالآخذ بالثأر لنا قائد لا يبارى

يتأهب رغم حداثة سنه ليشن حرباً يهابها الفتيان.

كفوا يا من تنخلع قلوبكم خشية

عن إحصاء أعياد ميلاد آلهتكم.

أنسيتم أن الإقدام ثمرة مبكرة لا يؤتاها سوى القياصرة؟

هل فاتكم أن قدرة الأرباب تنمو بخطى تسبق سني أعمارها،

فلا تبالي في انطلاقها بالعقبات الكأْداء.

– النص ترجمة الدكتور ثروت عكاشة.

– بليوس أوفيديوس ناسو  Publius Ovidius Naso؛ 43 ق.م. – 17 م، المعروف بلقب أوفيد، شاعر روماني قديم، من أشهر أعماله “التحولات” (Metamorphoses)  وكانت عن الميثولوجيا الإغريقية والرومانية. وعرف بكتابته حول استكشاف الحب مثل قصيدة “فن الحب” (Ars Amatoria) التي كتبها في السنة الأولى قبل الميلاد.

ولد أوفيد في سلمونا (إيطاليا الآن) في 20 مارس عام 43 قبل الميلاد. كانت لأعماله آثار كبيرة على الأدب الغربي. تتضمن أعماله المعروفة الأخرى: “أموريس” (Amores، وهي ثلاثة أجزاء من قصائد الحب)، و”هيرويديس” (Heroides، وهي رسائل وهمية من امرأة إلى أحبائها). كان أوفيد مشهوراً في عهده، وكانت له شعبية كبيرة، وقد كان الإمبراطور أوغسطس يقدم له الاحترام البالغ، إلى أن أبعد من روما القديمة بسبب ظروف مجهولة في العام الثامن الميلادي. بالرغم من التوسلات العديدة، رفض أوغسطس وتيبريوس من بعده العفو عن أوفيد، حتى رحل في حدود العام السابع عشر الميلادي في منطقة “تومي” (تمثل الآن قسطنطة في رومانيا). الشاعر السوري ادونيس ترجمها إلى العربية. ومن أهم أقوالة التي أشتهر بها ((إني أرى الحق وأصدق به ولكني أفعل الشر)).

شاهد أيضاً

المسيح

مملكتي ليست في الأرض.. هكذا دخل المسيح القدس

راكبًا حمارًا صغيرًا (جحشًا) جاء المسيح ليشارك في عيد الفصح اليهودي.. عبر المسيح فوق دروب …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية