وش الخير .. صفاء المصري

صفاء المصري

تتفرع الصاغة الصغيرة من بين جنبات شارع فرنسا، بمحلاتها الصغيرة الواقعة بحارة ضيقة، حتى أن أصحابها يمكنهم أن يصافحوا بعضهم بعضًا من أبواب محلاتهم.

يتصاعد من أول الحارة صوت سي محمد وهو يلقي الصباح على جيران محله: صباح الخير يا حاج علي.. صباح الخير يا حاج حامد.

كان ينتظره على باب محله ـ الكبير نسبيًا عما حوله. صبيٌ صغير نوبي الملامح، فلم ينسَ أن يحييه أيضا: صباح الخير يا رمضان. ويتناول صبيه مفاتيح المحل قائلاً:

ـ  الساعة 9  مواعيدك  مظبوطة يا حاج لا تتأخر ولا تتقدم ثانية.

 ويفتح رمضان وهو يسمي باسم الله، ويستعيذ من الشيطان وأولاد الحرام ويدعو بالرزق عند رفعه الباب الصاج، ثم يهرع إلى الشاطئ القريب ليأتي بالماء المالح؛ فيرشه في أرضية المحل وأركانه، وأمام الباب إبعادًا للشياطين وجلبًا للرزق والزبائن.. وسي محمد يعيد ترتيب المصوغات الذهبية في الفاترينه والرِيون؛ فتبدو كزهور منسقة خلف الزجاج، ثم يبدأ بعدسته في فحص بعض المجوهرات والأحجار الكريمة وقطع الألماس التي تتلألأ في يده، ليقدر قيمتها المالية قبل عرضها على الزبائن حين الطلب، فجأة رن التليفون وتغير وجه سي محمد حين عرف من المتصل أن سعر الذهب صعد من ثمانية وعشرين قرشًا إلى تسعة وعشرين ونصف القرش؛ فقال منزعجًا:

ـ السوق كان يافِت والنهاردة بقى بار.. والزبون ممكن يطير بسبب زيادة السعر.

في تلك الأثناء دخل نوح الأبونيه تاجر الجملة مائلاً الى اليمين،  ومستندًا إلى الريون ليتمكن من حمل حقيبته الثقيلة، التي تنوء بما تحويه من قطع ذهبية، تنفس بصوت عالٍ وهو يجلس قبالة سي محمد، ويحاول أن يضبط نظارته السميكة على أرنبة أنفه، وهو يلقي التحية على سي محمد ويسأله:

ـ عندك كسر وفلوس ليَّ النهارده يا سي محمد؟

ـ لسه ما استفتحناش يا نوح.. دا حتى النهارده ربنا يستر لأن الدهب زاد سعره.

فقام نوح يتكئ من جديد على الريون قائلاً:

ـ والنبي يا سي محمد تحجز لي أي كسر يجيلك وأي فلوس.. وحاعدّي عليك وانا راجع.

وأخذ يدعو وهو يتجه لباب المحل: ربنا يفتح عليك يا طيب يا أمير ويكفيك شر ولاد الحرام.

ما إن خرج الأبونيه حتى دخلت سيدة للمحل؛ فتهلل وجه سي محمد” جالنا زبون” .. وألقت عليه تحية الصباح، فرد:

ـ صباح الخير.. يا وش الخير ..الصاغة نورت.

 وأشار للفاترينه وقال:

ـ فيه حاجة عجبتك برّا؟

ـ الغوايش العربي.

فأسرع للملمة أحجاره الكريمة والعدسة، وأغلق عليها درج المكتب بالمفتاح، وقام بابتسامته المعهودة وهو يقول للمرأة:

ـ ممكن تشاوري على اللي عجبك في الفاترينه؟

 فخرجت من باب المحل لتشير للغوايش التي تريدها، وقام هو بفتح الفاترينه من الداخل ليُخرج ما تشير إليه، امتدت عينيها مع كل حركة متسائلة ليديه بين المشغولات الذهبية، ولم تستقر فقط على الغوايش السادة بل تخطتها إلى الغوايش المضلعة والبامبو، وأيضا إلى الأقراط والخواتم المزينة بفصوص مختلفة من الياقوت والمرجان والزمرد والفاروز، وأخيرًا استقرت عينها كإجابة على تساؤل يديه؛ فأخرج” شَكْ” الغوايش السادة وبعده المضلعة ثم البامبو، فأخذت تتفقد الغوايش ثم مدت يدها إليه فوضع بقية ما على الشّك في الريون، ووزن لها ما اختارته سعيدًا بتغير دفة اليوم، وقالت وهي تدفع الحساب:

ـ ع الحظ الدهب غلا النهارده.

 وخرجت فرحة تنظر لمعصمها.

على الفور قيّد سي محمد في سجل المبيعات الثمن ونوع الغوايش المباعة وعددها، وحمد الله على الرزق الذي كسر نحس اليوم، وجاءته زبونة أخرى تريد غوايش بامبو أفرنجي، فأشار للمحل المجاور له وهو يقول لها:

ـ روحي لحامد.. فأنا استفتحت النهارده وهو لسّه.

وتذكر نوحًا عندما دخل رجل يسأله:

ـ بتشتري كسر النهارده يا حاج؟

فرحب به قائلاً:

ـ اتفضل معاك إيه؟

من جيبه أخرج علبة صغيرة بها ثلاثة خواتم وانسيال أطفال وغويشة.

أخرج سي محمد العدسة وأخذ يتفقد الدمغة بكل قطعة وهو يقول للرجل:

ـ معاك فواتير؟

ـ لا .. دي كلها هدايا. فمد يده بالثمن للرجل.

بعد خروج الرجل قام سي محمد ليرتب الغوايش المبعثرة بالريون في كل شك وهو يحمد الله على تغير الأحوال.. ويضحك لرمضان ويقول:

ـ جبتها منين يا ولد!

تتساءل عينا رمضان عما يقصده.. فيكمل:

ـ مية الصبح اللى رشتها..

 ويقهقه:

ـ يكونش سيدك أبو العباس استحمى بيها الصبح!   

بهدوء أرجع شك الغوايش البامبو وشك الغوايش السادة للفاترينه، وأخذ يرتب بقية غوايش الشك الذي باع منه لـ”وش الخير”، تعكر ماء وجهه فجأة.. ضاربًا كفا بكفٍ مندهشٍ ويقول:

ـ وش الخير سرقت غويشتين فوق البيعة.

شاهد أيضاً

شريف عابدين

بأقل قدر من وهج  .. شريف عابدين

  تألقي.. بأقل قدر من وهج يتأجج في هدوئه المعتق منذ استرسال كاليستو كقمر رابع …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية