ورقة وقلم ومراية.. علي داود

علي داود

“ورقة وقلم ومراية

وخلوا بالكم معايا”

ترددت هذه الكلمات عبر إذاعة البرنامج العام ساعة “العصاري” منذ زمن بعيد.. كان البرنامج يقدمه عبد البديع قمحاوي.. والهدف محو أمية من حرموا التعليم.. لكن هل الأمي مَن يجهل القراءة والكتابة فقط؟! أم من يجهل أشياء أخرى أهم وأعظم؟!

عادت تتردد تلك الكلمات في وجداني، قادمة من أعماق الذاكرة، كمَن يسمعها للمرة الأولى:

“مش كفاية الورقة والقلم؟! ليه طلب مننا مراية؟!”.

يدور التساؤل في ذهني مندهشاً، وأنا أضع على مكتبي ورقة بيضاء، وأمسك بالقلم، بعد أن هجرتهما طويلاً.

أحاول أن أكتب بعض الكلمات، أتردد، فقد نسيت الكتابة وضاعت الكلمات، هكذا أشعر الآن.. أبحث عن موضوع يستفزني.

“أكتب إيه؟!

أكتب خواطر شعرية؟!

ولاّ قصة خيالية عن الناس والصيف وليالى القمر؟!

ولاّ قصة حقيقية حصلت وبتحصل وهاتحصل؟!

أكتب إيه؟!

أكتب ذكرياتي عن السنين اللي فاتت؟!

اللي ما أقدرتش أمسك فيها ورقة وقلم؟!

ولو كتبت عن نفسي، أقول إيه؟!

أقول اللي عملته؟!

ولاّ اللي اتمنيت أعمله وماعملتوش؟!

في حركة لا شعورية، أترك الورقة والقلم، أخرج من درج المكتب مرآة صغيرة.. أضعها أمامي، وقد اتخذت قراري.

“هاكتب كل اللي أنا شايفه في مرايتي”.

وبدأت أكتب كل ما أراه بصراحة وصدق، لم أعهدهما في نفسي من قبل.. ويحاول القلم أن يلاحق تدفق الكلمات، يتصبب العرق من جبيني، وأنا أجاهد ذلك الألم الذي يصاحب ضوء المكاشفة.

أنتهي أخيراً من الكتابة، وأشعر كمَن صعد جبلاً شاهقاً في ظهيرة شهر أغسطس، أقرر أن أكافئ نفسي بفنجان قهوة مع سيجارة.

أستمتع بهما كما لم أستمتع من قبل.. أبحث في قنوات الأفلام القديمة عن فيلمٍ أحبه، أعثر على فيلم ابن حميدو.. أضحك من قلبي، كمَن يشاهد الفيلم لأول مرة..

تهدأ مشاعري، وتسكن انفعالاتي، أعود إلى مكتبي؛ أقرأ ما كتبته، كما أفعل عادة مع قصائدي وقصصي؛ كي أضيف وأحذف حتى أرضى.

ترتعش يدي.. تتوتر قسمات وجهي.. يسقط القلم على الورقة المزدحمة بالكلمات.. لم أشعر بنفسي إلا والورقة تُقطّع إلى قطع صغيرة، أضعها في “طفاية السجائر”.. وأحرقها.. أراقب النار وهي تأكل الكلمات؛ يطمئن قلبي الآن؛ فلن يقرأها شخص آخر، ولا حتى أنا.

تصبح النار رماداً.. أقوم إلى سريرى مُرهقاً، أتناول قرصين من المنوم، وأطفئ النور!

شاهد أيضاً

أمجد ريان

ليس الثبات سوى نوع من الحركة .. أمجد ريان

  سهرت المرأة الفقيرة على ملابس ابنها تُرفيها، ثم تقوم بكيّها وفي الليلة التالية تضرب …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية