وجع القلال .. رفيقة المرواني

 

فِي مشغلها السرّي في قبو العمارة الآيلة للسّقوط كانت “أولغا” ذات الأربعين ربيعًا ـ والتي تنحدر من أصول شرقية بشعرها الأسود الطويل ووجهها المتوهّج بغبار القمر ـ كانت  تُمضي معظم وقتها فِي صناعة رجال يناسبون مقاييس الجمال التي تتمناها فِي رجل أحلامها، كانت كلما لامست يداها الطين نسيت أمر الحصان، ولم تعد تكترث حتى إلى لونه في ما إذا كان أبيض أو أشقر، فقط تنهمك بشهية مفرطة في صنع جسد يافع يفي حاجة الأنثى العطشى داخلها، ترسم وجهًا بملامح مثيرة.. عيونًا تتسع لمعصية، وفمًا بسعة الجحيم مسوّرا بشفتين ممتلئتين؛ تجعل القبلة طرية كجمر كساه رماده، في سياق انزلاق اليد الملطّخة بالطين تستند على كتفيْن عريضين تحميانها من السّقوط، تستغل الفرصة كي تعدل من درجة ميلان الصدر، ثم بأصابع خفيفة كريشة تتهجّى أسفله، وهي تمضغ الطين تمزج ذاكرة اللذة بريق التوق؛ فتصقل عضوًا تكاسل عن أداء مهمته في الحياة، ثم تواصل لولبته بيدين حارّتين حتى يبلغ الانتصاب الأشهى لوجه الجَمال المعكوس في عينيها، فيما تتعالى تنهيدات القلال من حولها، قلال لبثن متكئات على الجدار ينازعن صرعات العطش.

قلال فاض دمعهن فِي لحظة الانتشاء بما صنعته يدا أولغا، و بلغ كفاية لأوعيتها التوّاقة لشيء يعيد لجسدها نضارته، تجلس أولغا على حافة الطّاولة، تأخذ نفسًا عميقًا مغمضة العينين؛ فيتراءى لها كما لو أن تمثالها قد بُعثت فيه الرّوح وتقدم خطوة في اتجاهها، تسري في أطرافها رعشة، ليست رعشة خوف بل رعشة العطش للعطش.. نداء العطاشى، يا الله في هذا الوقت من يسمعه؟!

يهمّ بيدها فتسلم جسدها كاملاً،هو لم يُرد غير يدها، يقترب منها أكثر.. يضع يده على كتفها، ويقول:

ـ ألا تسمعين أنين القلال من حولك يا أولغا؟ ألا يؤذيك سماع هذَا؟

تقول:

ـ نعم أسمعه، وإني أصمّ أذني كل ليلة على أحاديثهن الخاصة، أسمع نداءهن للسقائين؛ يطلبن ماء ويتسولن ظهرًا يحتكّ بعرقه فخّارهن، أشعر بغصّتهنّ في صَدري.

يقول:

ـ إذن لِم لا تصنعين لهنّ رجالاً كما صنعت لنفسك؟!

تقول:

ـ إنّ للأصابع فتنة ودراية بالمكمن الأشهى فيما أصنع، كيف أصنع رجالاً لم أعاشرهم بيدي؟ رجالاً لم يُورقوا بين أصابعي، رجالاً لم ينهضوا في عيني!

يقُول:

ـ إنّ المرأة الحقيقية هي التي تجيد قراءة رغبات مثيلاتها، في ملمس الطين تتجلى قدرة النساء على تفسير الأنين، وحكمتها في سكب آخِر نَفَس في جسد مَن تُحب، وإنّي لأراكِ قد قصّرتِ فِي تأويل لوعة القلال، القلال حمّالة حب فلا تحطميها بفكرة الأجساد.

تقول:

ـ لَم يكن يجدر بي تفسير العِلل بما يظهر، لكنّي أعلم منك بمَا يُوجع القلال.

* تونس.

شاهد أيضاً

ديمة محمود

هذا الطائر .. ديمة محمود

  رَفّ رفتين أو ثلاثًا قَطفةٌ لِعنقودين ثمّ حطَّ رِمشٌ ينضجُ زهرةَ ماء تتدحرجُ ضحكةٌ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية