هل الغازية لازم ترحل! .. فاطمة عبد الله

فاطمة عبد الله

ضم كل مجتمع عربي فئات وطوائف من الناس، وتصنفوا درجات اجتماعيًا واقتصاديًا وأدبيًا، وظهرت لهم أسماء تم الاصطلاح عليها؛ بحيث إذا ما قرأتها أو سمعتها أدركت خلفية عن هذه الفئة، ومن هذه الفئات «الغوازي» اللاتي أُختلف في سبب تسميتهن، وإن صار شبه توافق على ما يمثلنه في المجتمع من مكانة ومهنة ونظرة اجتماعية لهن؛ فرغم أنهن ـ في الظاهرـ مرفوضات اجتماعيا، ويُنظر لهن بدونية على اعتبار أنهن في درك غير أخلاقي، إلا أن نفس المجتمع يتعامل معهن سرا ويقدر دورهن: فالرجال يمارسن ساعات لهوهم وخروجهم من تكاليف القيام بدور «الرجل» أمام الأولاد والزوج، فيتحصل على متعته غير عابئ بما يتكلفه أمام الناس من تماسك أخلاقي يدفعه لعدم اللهو أو التضاحك أو الحصول على مداعبات، أو حتى على لحظات «فضفضة» قد تصل حد البكاء ـ إذ البكاء من المحرمات على الرجال في مجتمعنا العربي، كل ذلك البراح يجده الرجل الشرقي بين يدي الغوازي وقد لا يتحصل على كثير منه لدى النساء الأخريات، لذلك كان للغوازي حضور في ذاكرة الرجال الباحثين عن البراح، رغم أنهم يمارسون على أفراد أسرهم ـ باعتبارهم يمثلون مجتمعهم الصغيرـ نفس الازدواجية التي يمارسها المجتمع الخارجي الكبير على الرجال، فيمنعنون نساءهم من التبرج أو صبغ شعرهن أو الإتيان بحركات لينة قد تصل حد ” التقسع” ناهين إياهن عن التشبه بالغوازي!

 

وحفظت الأعمال الفنية والأدبية صورة تلك الازدواجية؛ حتى أصبحت شخصية «سي السيد» خير مثال لكل رجل يؤدي دوره الاجتماعي بازدواجية، فخرج سي السيد من كونه شخصية فنية مصنوعة إلى نطاق شخصية رمزية لهذا الرجل المزدوج المعايير، وحينما يستشعر الرجال خطر الغوازي على بناتهن أو نسائهن ـ والميل إلى الرقص أو التأود في الحركة أو اللين والتكسر في الكلام ـ حين يستشعرون ذلك يصرخون: «الغازية لازم ترحل»!

 

المجتمع أيضا أخاف النساء المحصنات من الغوازي؛ حفاظا على سيرورة العادات والتقاليد المتوارثة، ورغم ذلك سمح للغوازي بالقيام بدور اجتماعي هام بالنسبة لهؤلاء النساء، فكان المجتمع حتى القرن التاسع عشر يستعين بالغوازي لإرشاد ربات البيوت لحل بعض مشاكلهن، أو لتوجيههن إلى ذوق مغاير في الملابس، وطريقة تصفيف الشعر، ووضع الكحل والعطور ولبس الحلي، واتخاذ وسائل لينة في الكلام والحركة، وكانت الغوازي أيضا يعلمن الزوجات كيفية التعامل مع الرجال/ الأزواج، وينبهنهن إلى ما يستميل الرجل من الكلام، أي أن المجتمع كان يسمح للغازية «اللي لازم ترحل» بالتدخل في تعديل ذوق المرأة، وتعديل بعض سلوكياتها إرضاء للرجال أولا، أو لضمان الحفاظ على الأسرة وعدم «لعب الرجل بديله»، وانقاء العِرق المتوالد منه الأبناء، وأخيرًا لم تكن إتاحة المجتمع للغوازي القيام بهذا الدور لتنعيم النساء في الأساس، وإنما لصيانة الذوق والمحافظة على النِسب الجمالية التي وضعها التقليد الجمعي للمجتمع الذكوري.. فهل حقا كان الرجال يقولون بجدية:”الغازية لازم ترحل؟!

شاهد أيضاً

إبراهيم عبد الباري

يرعبهم حيًا وميتًا .. إبراهيم عبد الباري

لم أكن أعرفه، وبطبيعة الحال لم أقرأ له حرفًا أو بيتًا من أشعاره التي صارت …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية