هذا ما قاله الفنجان .. كارلوس أنيس

كارلوس أنيس

 

«هذا الهم، آه هم ثقيل يا عزيزي، ولكن تفاءل لقد ذهب، كل هذه الدموع التي سكبتها في وقت سابق جفت».. ترفع النظارة الطبية عن عينيها، تدقق مقليتها في الرسومات العشوائية التي خلفها فنجان قهوتي، لا تظهر أي انفعالات.. لا ابتسامة، ولا حتى خوف، لا تنظر إلي وهي تتنبأ، تنعزل في محرابها الكشفيّ «هذا يا ولدي المكتوب، هذا يا ولدي المرسوم، القلب يا ولدي مهموم».

قبل الكلام.. نظرة إلى الصحن الدائري حيث انكبت بقايا القهوة، وقالت: «شايف صرة فلوس وسمكة، تفاءل».

تتابع: «آه يا كيرلس، آه يا ولدي».. تنظر إلى الكوب ولا أرى عينيها، تتوتر أوصالي، تتابع دوران الفنجان، تديريه في راحتيها، تلم بكافة جوانب الخريطة التي شكلتها القهوة حول المحيط، تحاول أن تسكب ما تبقى فيه ولا ينزل شيء.. «كان هناك هم كبير، لقد كنت مذبوحًا يا ولدي، يا الله  كيف حملت كل هذا! كيف تحملت يا ولدي هذا العذاب».. تهمس «الدموع جفت».. تقولها وهي تقلب الفنجان لعل أي قطرة من الماء تنزل، ثم تنظر إليّ متسائلة «هل ترى.. لا شيء ينزل لقد جفت الدموع».

تصمت والمنزل يصمت، بل الكون بأسره يصمت، لا أسمع صوت السيارات الذي يقتحم نوافذ المنزل، لا شيء سوى صفير الرياح، أبي وأمي على جانبيّ، ينظرون إليّ كأنهما يكتشفاني لأول مرة، ما زالت نبيتنا صامتة، ولكن فجأة في غفوة من الجميع أتى هدير صوتها على هذا الصمت.. قالت بثبات «أنت تسعى وراء شيء، هناك طريقان، واحد منهما فقط سيكون شجرة الحياة لك».. ثم تتابع «هناك قلوب كثيرة حولك، ولكن هناك قلبان.. قلب كفيته، وقلب طالع»، وتبتسم للمرة الأولى قائلة «فيه بطة قاعدة في قعر الفنجان، مستنياك.. خير خير».

ابتسم عندما قالت «بطة».. تتساءل «القلب اللي كفيته خلاك تخاصم عزيز لما جيت سيرته»، هززت رأسي بالإيجاب وتذكرت كندا، ثم قالت وهى تنظر إلى أمي «كان وشها نحس عليكِ البت ديه»، فضحكت أمي وحركت شفتيها للمرة الأولى «كنت بقوله كده دايمًا».

ترتفع موسيقى في أذني، أرى العالم قد أظلم فجأة ووقفت عند مقلتيّ دمعة، والعرافة تتابع «المكان الذي تعمل به هناك من يتربصون بك، اثنان يتربصان بك، لا يريدون لنجمك الصعود، سترحل عن هذا المكان قريبًا، هذا ليس مكانك إنما عك».. يتجمد وجهها وتسألني بصوت ارتفعت نبرته عن المعتاد: «لماذا لا تنام مرتاح البال؟!.. هناك شيء يطارد مضجعك، مشغول لا تعرف هناء النوم، كلما تذكرته ترقرقت عيناك».. تقلب الفنجان كلما أتت على ذكر الدموع، ولأول مرة أرى ماء ينزل من الفنجان في شكل قطرات تشق طريقها لخارجه بصعوبة، ثم تخبرني: «اقترب.. شايف، متقلقش كل ده هم بينزل، كل ديه دموع مش راجعة، كنت شايل ده ازاي يا ابني، كل ده انتهى، 2019 شايلة فرح، هتفرح».

تعود موسيقى تارتيني التي عزفها له الشيطان في منامه، أقترب من فنجاني، تسألني أن أضع إصبعي وأبصم، قائلة «دعنا نرى النهاية»، أسألها «أين أبصم» تجيب «عند مكان الهم يا ولدي.. عند هذا التجمع للتنوة»، أبصم وتأخذ الفنجان، تنظر طويلاً، ثم تخبرني وقد وضعت الفنجان، وتسأل «بتقول يا عدرا» أخبرها: عندما أتذكر جدتي، قالت «بتصليك في السما.. العدرا معاك، قول يا عدرا».

أبتسم وأقول: يا عدرا.

شاهد أيضاً

محمد لومعراف

لماذا الفلاسفة؟ .. محمد لومعراف

  ترجمة من الإسبانية عند أحد باعة الكتب، نواحي نوتردام وبعيدًا عن الزمن وأيادي القراء، …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية