هدهدة كلب وولف .. عبد العزيز دياب

عبد العزيز دياب

 

لعلَّه يحتاج إلى من يذكره ـ عندما يستسلم لشكة الإبرة في جسده ـ أنه كان جسوراً وذكياً وإنساناً، وأن الكلب وولف قد أصابه السعار نتيجة عضة آدمية فقطع السلسلة الحديدية، ركض بعيداً ولم يسكت نباحه إلا بعد انفجار طلق ناري.

تؤلمني كثيراً شكة الإبرة في جسدي. لا بأس، لم تتبق إلا أربع مرات وينتهي كل شيء. لا أتذكر ما قالوه عن شاب قعيد أدمن الجلوس إلى جوار الجدران، أشرقت عليه ألف شمس وهو يخط بسبابته في التراب حتى ملت الأيدي أن تشير ناحيته، وأن الأيام التي كانت تتوالى جعلته يكرس كل طاقته لذلك اليوم الذي سيبدأ فيه المشي. كان يعتقد أن ذلك سيكون حدثاً جللا، وأن أفراساً ستملأ الفضاء بزغاريد صهيلها. سيمشى كثيراً مثلما جلس طويلا، فمتى إذًا يكون هذا اليوم الذي يتحرر فيه جسده من الجدران ويبدأ الخطو.

هل أنا كنت هذا الشاب القعيد الذي استطاع بذكائه وجرأته أن يحمل على كتفه كلب وولف، يهدهده حتى يمر بسلام الجمع الغفير الذي تواجد فجأة في نفس المكان. لا أعتقد أنني فعلت ذلك، أو أنني قرأت الكتابة المحفورة في (النحاسة) المعلقة برقبته عن الفصيلة والأب والأم والمنشأ وتاريخ الميلاد، هل قلت لهم إنه كلب وولف، وأن صاحبه الذي اقتناه أصبح ينام كثيراً ولا ينطبق جفناه إلا على صوت نباحه.

باركتنى الطيور وشمس الصباح وحصى الأرض عندما بدأت أقف لأخطو أول خطوة في اتجاه لابد أنني كنت أعلمه جيداً. لا أتذكر كل ذلك، فقط أشعر برائحة غريبة في أنفى وشكة الإبرة في جسدي. هل كنت أبدو كطفل يتعلم المشي والكلام وأن جمعاً من الصبية كانوا خلفي يصفقون. يغنون «تاتا خطى العتبة.. تاتا مد شوية»، وأنني كنت أضحك ضحكة طفولية بلهاء وأنا أجرب الخطو بعد أن أشرقت عليّ أكثر من ألف شمس وأنا قعيد لصق الجدران.

قالوا إنني لن أهنأ كثيراً بالمشي، إذا اعترضني نباح كلب وولف، له (نحاسة) معلقة برقبته، وأن السلسلة الطويلة المعلقة برقبته أيضا ساعدته ـ وهو المربوط في حديد الشباك ـ أن يمنع المارة عن عبور الشارع الواسع، أنيابه البارزة ونباحه المتصل جعلني ـ أنا المتراقص بأول خطوات مشيي ـ أداعبه. ألاعبه عن بعد. أمشى على أربع. أنبح مثله، اطمأن إلىّ، هز ذيله، فهززت ذيل جلبابي. تمسح بي فاعتدلت واقفاً، حملته على كتفي أهدهده.

هل كل الذين تجمعوا فجأة كانوا قعوداً، أشرقت عليهم أكثر من ألف شمس، فتعجلوا المرور من الشارع، بعد أن حملت على كتفي كلب وولف أهدهده. لابد أنه شعر بالخديعة عندما وجد الشارع خالياً، لم يعد به ـ هذه اللحظة ـ مشاة ـ مثلى ـ يركض تجاههم وينبح، فعاد إلى حالته الأولى أنيابه بارزة، متأهبا للهجوم. هل غاصت أسناني في لحمه فأصابه السعار، قطع السلسلة الحديدية، وانفلت عواؤه مبتعداً إلى الشوارع الجانبية.

لا أتذكر كل ذلك فقط تؤلمني شكة الإبرة فى جسدي.

شاهد أيضاً

شريف عابدين

بأقل قدر من وهج  .. شريف عابدين

  تألقي.. بأقل قدر من وهج يتأجج في هدوئه المعتق منذ استرسال كاليستو كقمر رابع …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية