نقاش .. سيومي خليل

سيومي خليل

 

حول خصلة الوفاء؛ دار حديث بين عاشق وانتهازي وثوري سابق وجبان. تحلق الأربعة حول طاولة مستديرة، متناسين كل الفروقات بينهم، تاركين للماضي فرصة لإقامة هدنة حرب مع نفسه.

يمكننا أن نعتبر ـ وهذا أمر يمكن تجاوزه لأنه سيكون غير دقيق تمامًا ـ أن المشروبات التي تناولوها تعبر بشكل أو بآخر عن صفاتهم، فقد طلب الانتهازي عصيرًا وحلوى بالكريم وحبيبات الكاكو، وأخذ الجبان كأس ماء ساخنًا به أوراق النعناع، في حين طلب العاشق والثوري كأسي قهوة سوداء.

إذا ما أردنا التدقيق في التفاصيل، وإعطاءها تأويلات متطرفة، يمكننا أن نضيف أن تدخين كل من العاشق والثوري ينسجمان تمامًا مع شخصيتيهما، وسيبدو امتناع الانتهازي والجبان عن التدخين هو الآخر يناسب تشكل شخصيتيهما؛ لكن هذه القراءة التأويلية لا تعني شيئًا باستثناء أنها قراءة بين آلاف من القراءات الممكنة.

دون تخطيط مسبق؛ جلس العاشق جنب الثوري وجلس الجبان جنب الانتهازي، إذا ما استحضرنا التفاعلات الكيميائية الخفية التي لا يدركها الناس بين الشخصيات التي يحملونها يمكننا أن نعتبر أن الجلوس بهذه الطريقة جاء نتيجة التجاذب الخفي، أما إذا كنا متدينين فإننا سنتذكر الحديث الشريف الذي يقول: الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف.. لكن ـ مرة أخرى ـ كل هذا لا يعني أي شيء في سردنا هذا.

سيشهق العاشق ويقول:

ـ الوفاء أن لا تغير من أحببت وإن غيرك.

يحكى أن العاشق هذا أحب حتى نحل، وذكر اسم حبيبته حتى نسي اسمه، وكان كلما سمع حرفًا من اسمها ينطقه شخص غريب يشرئب بعنقه باحثًا عنها. هي الأخرى أحبته، بادلته نفس بصمات الحب إن كان للحب بصمات، وتركت قلبها يلهج بذكره. لكن الحب يموت حين لا تكون له دعائم في بلد لا يمنحها أبدًا بل يسهم في كسرها، يصير ذكرى لا غير، ويتوقف وسط الطريق. لأن العاشق كان يحمل همًا كبيرًا وفقرًا أكبر سيضطر أن يترك حبيبته تشترى بمهر. لم يكن له القدرة ليوقف طوفان العادات لذا حمل قلبه معه وانصرف، لكنه ظل وفيًا ولم يحد عن ذكرى حبيبته.

سيرد الثوري على العاشق قائلاً:

ـ يمكننا أن نضيف أن الوفاء هو أن لا تتخلى عن القضية مهما كانت خاسرة.

الثوري السابق سجن مرارًا، وظل شهورًا طوالا مختبئًا عن أجهزة الأمن، وزع المنشورات في وقت كان توزيعها تهمة خطيرة جدًا لا يقوم بها أيا كان، أجج الاحتجاجات، وقال في بواطن الشجاعة ما يجب أن يقال، طرد أكثر من مرة من أكثر من عمل، دخن جميع أنواع السجائر من أرخصها إلى أثمنها، لم يبع ذمته يومًا، فلم يكن مستعدًا أن يخسر هذا الثرات من الشجاعة مقابل بعض من المال، معارفه كانوا يعيرونه بهذا العناد الذي لم ينجح العمر في تليينه، ويعيرونه بعدم استفادته من كل معاناته ونضالاته بشيء، لكنه كان يبتسم لا غير، ما زال قوي البنية رغم سنين المعاناة، شعره كث، ووجهه يحمل براءة دائمة.

كان الانتهازي والجبان يستمعان لكلامي العاشق والثوري ولا يظهران أي تأثر على ملامحهما. سيقول الانتهازي وهو يضحك:

ـ الوفاء كلمة في قاموس يا سادة، أما في الواقع فلا وجود لها.

لا يختلف الانتهازي عن كل الانتهازيين إلا في كمية القذارة التي صار يحملها قلبه. كان يعرف ماذا يريد منذ البداية، فحين كان الشباب في عمره يناقشون الأخلاق والقيم والإنسانية كان هو ينظر إلى كل هذه المفاهيم الرنانة كفقاعات سرعان ما تتلاشى بعد خروجها من الفم. لم تكن تشغله هذه المصطلحات فهي لن تنتقم له من البؤس الذي عاشه، ولن تملأ قلبه العامر طموحًا إلى السيادة ولو على أقاربه. كان يتسلق المناصب والمسؤوليات بشكل سريع. على أكتاف زملائه في العمل أولاً تسلق، ثم أخذ سلم الوشاية ثانيًا فصار واشيًا من درجة فارس، ثم لم يفكر كثيرًا في تحوله إلى قواد لرؤسائه، فهو في الخدمة دائمًا ومستعد أن يأتي بالمومسات لهم وشراء الخمور وتملقهم دون حدود… لم يكن أي فعل عنده يخضع لأي معيار أخلاقي. حين يحدثه بعض من يعرفونه عن مفهوم «الرجولة» يبدأ بحك خصيتيه وقضيبه. لربما كان مبرمجًا منذ خرج من بطن أمه أن يكون بهذه الشخصية الصامدة والمتجذرة في انتهازيتها. هو الآن كما كان دائمًا.

سيظهر الارتباك على الجبان حين جاء دوره في الكلام. ستتعثر على لسانه أولى الكلمات لكنه سيقول منهيًا دوره في الكلام:

ـ لا أعرف المقصود بالوفاء.

سيكون جواب الجبان مناسبًا جدًا. فالجبن حين يستبد بالمرء يجعله غير قادر حتى على إبداء رأيه. لم يقل يومًا رأيًا مخالفًا، يكون دائمًا في الخلفية منتظرًا انتهاء نقاش ما، ليعرف أي رأي سيسود صاحبه، ثم بعدها يلتحق بصاحب الرأي السائد. هناك ذوبان تام في شخصيته بالكامل لدرجة أن الإفصاح عن المشاعر كالغضب والشفقة يخضعان عنده لمراقبة شديدة. حديثه مع الآخرين ليس فقط حديث إنسان حذر بل حديث إنسان شله الجبن على عيش حريته كما يريد. ستعرفه زوجته بهذه الصفة دون غيرها، وسيعرفه الأبناء بها، وسيحدث له بعد هذا العمر الطويل الذي عاشه جبانًا أن تتبلد مشاعره تجاه كل التجاوزات من الزوجة ومن الأبناء.

شاهد أيضاً

فاطمة عبد الله

مراوغة .. فاطمة عبد الله

  كانت تراه واحدها.. قمرًا تتقرّب إليه القلوب زلفى؛ علّه يختار إحداها.. أوهمت نفسها بأنها …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية