نافذتان مختلفتان مطلتان على شريط ساحلي .. سيومي خليل

سيومي خليل

 

(1)

كانت نافذة الفيلا تطل على نفس المنظر الذي تطل عليه نافذة الكوخ. البنايتان لم تفصل بينهما إلا أمتار معدودة لا غير، ورغم أنهما ينتميان إلى عالمين مختلفين تمامًا، ومتصارعين كل الوقت، إلا أنهما ظهرتا كأختين توأم، واحدة أكثر صحة من الأخرى.

(2)

دور النوافذ هو أن نطل منها، نحمل سيجارة، ونشرع في تأمل أي شيء يقع أمام النوافذ، نتكئ على حوافها، ويمكننا أن نمسك فنجانا ونحن نرنو من خلالها إلى السماء. ليس للنوافذ غير هذا الدور؛ لقد وضعت أساسًا ليطل منها رأس آدمي.

(3)

كان المنظر الذي تطل عليه نافذة الفيلا ونافذة الكوخ عبارة عن شريط ساحلي تظهر عليه أمواج البحر وهي تتكسر على الشاطئ، مرة هائجة ومرة هادئة. تتغير تفاصيل المنظر ويظل الشريط هو نفسه بأمواج بحر هادئة أو هائجة. يمكن أن يظهر بعض المصطافين وهم يوقفون سياراتهم أعلى جرف، ويمكن لطيور النورس، أو الوروار الغريبة أن تحط على رمال الشاطئ، ويمكن لقصبة صيد أن تظهر عاليًا يحملها جسد هزيل.. لا شيء غير هذا يمكن مشاهدته من نافذتي الفيلا والكوخ.

(4)

الرؤوس التي تظهر من النافذتين مختلفة.. عمليًا هي تشبه بعض، فهي مجرد رؤوس تحمل أوجهًا لها ملامح معينة، لكن لأنها تطل من نافذتين مختلفتين، ومتناقضتين بشكل تام، فإنها ستكون مختلفة؛ ما تحويه من أفكار، وما تنسجه من رؤى، وما تراه من قيم مختلف إلى حدود بعيدة. يظهر رأس من نافذة الفيلا كي يتأمل ذهبية الشاطئ، ويظهر رأس من الكوخ ليرى علو الموج إن كان مساعدًا على صيد كميات وفيرة من السمك:

ما ننظر إليه غالبًا هو نفسه.

لكنه ينظر إلينا بشكل مختلف.

ربما المنظر الذي تطل عليه النافذتان هو من يطل عليهما، ويراهما بشكل مختلف.

(5)

حدث في نفس الوقت الذي اشرأب فيه رأسان من النافذتين حادث قتل. كان هناك ثلاثة أشخاص اعترضوا طريق عاشقين. الأفراد الخمسة كانوا واضحين لمن يريان من النافذتين، ولا يحتاج المشهد إلى أي نوع من التجلية. بدا أن صياحًا شديدًا يصل آذان من يطلان من النافذتين. الشتائم كانت تصل بشكل واضح، بل وصل صوت طعنة السكين كأنه نقر على معدن صافي. ظهر الأشخاص الثلاثة وهم يركضون سريعًا على رمال الشاطئ، وبدا أن الولد عانق الرمال، والفتاة التي معه لم تجد ما تفعله غير الصراخ.

في حال كهذه يجب أن ينقذ من يطلان من النافذتين الشابين لكن لم يعد أحد في القصص أو الواقع أو الروايات ينقذ أحدًا آخر، ثم إن ما أكتبه لا يتطلب أن يكون هناك فعل للإنقاذ.

ظل الشاب ممددًا هناك حتى مات.

ظلت الشابة تسكب دموعها حتى صارت خدودها طرية ومجروحة وقلبها تسكنه صخرة عظيمة.

(6)

المشهد الذي تطل عليه النافذتان تغيرت بعض التفاصيل فيه.

نعم لقد ظل يطل على شريط ساحلي، وظلت الأمواج تظهر إما هادئة أو هائجة من خلاله، لكن تفصيلاً تراجيديًا حدث في دقائق هذا الزمن الذي يمر على كل شيء.

(7)

ماذا رأى من كانا يطلان من النافذتين المختلفتين ومشهد القتل يحدث؟

لا شك أنهما أبصرا ثلاثة أشخاص يعتدون على عاشقين، أفضى الاعتداء إلى قتل الشاب، وسكب دموع الشابة طيلة حياتها.

في القصص لا تمشي الأمور والأحداث بهذه الطريقة، بل يجب أن لا تمشي بهذه الطريقة، وإلا كان لزامًا علينا أن نوقف كتابة القصص، ونجعل الواقع هو من يكتبها لا غير.

(8)

في التحقيق كانت أقوال من شهدا الحدث من النافذتين مختلفة تمامًا.

أيهما كان دقيقًا؟

لا أحد منهما على الإطلاق.

تحدث من كان يطل من نافذة الفيلا التي كانت تبتعد عن الأرض بعلو واضح عن زرقة البحر:

ـ لقد كنت سيدي مشغولاً بزرقة البحر، كانت زرقته فاتنة، فأنا مدة لم أحضر الفيلا، وحين حضرتها فكرت أن أصفي عيني بزرقة البحر. لا أخفيك أني رأيت خمسة أشخاص واقفين بينهم فتاة، لقد ظننتهم أول الأمر نوارس، فلا يمكنني أن أتخيل بحرًا أزرق فاتنا دون نوارس على رماله. حين سمعت الصياح ظننت النوارس تلعب، وتطلق صوتها الجميل ذلك، وحتى حين تمدد الشاب على الرمال تخيلته نورسا يحك ريشه، وجانبه نورسة تلعب بمنقارها في جسده. لقد كنت مخطوفًا بجمال البحر ولم أنتبه أن جريمة قتل حدثت أمام عيني إلا بعد أن رأيت النوارس الثلاثة تهرب، بل حتى وهي تهرب كنت مؤمنًا بأنها تلعب لا غير، لذا أحجمت عن تقديم أي مساعدة. لا أعرف أي ملامح عن الشباب الثلاثة، فقد كنت أراها ملامح نوارس كي أستمتع بمشاهدتي للبحر.

من أطل من نافذة الكوخ قدم كلامًا مختلفًا، لقد رأى هو الآخر أشخاصًا خمسة واقفين جنب بعض، بينهم فتاة، لكن لأن علو نافذة الكوخ كان واطئًا جدًا، ولا يبعد إلا بضع سنتمترات عن الأرض، فإن اهتمامه كان منصبًا على الطريق الذي يجاور الشاطئ، ولم يكن يعرف شيئًا عن زرقة البحر. قال:

ـ لقد كنت أنتظر مرور سيارة طاكسي للنقل المزدوج. كان جو اليوم جيدًا، لقد عرفت الأمر من هدوء أمواج البحر. أكتفي بالنظر إلى البحر مرة واحدة، وأعرف إن كان الجو ملائمًا للذهاب إلى المدينة من أجل شراء السمك وبيعه لأهل المنطقة هنا. هذا ما أهتم به تحديدًا: مراقبة البحر لأعرف إن كان سمك السردين سيكون بثمن مناسب، ثم مراقبة الطريق لأرى إن كان هناك طاكسي يقلني. لقد رأيت خمسة أشخاص لكني ظننت أنهم من الذين يبحثون عن المرجان في البحر. كما تعرف فإن منطقتنا تكثر فيها هذه المهنة؛ شباب يغطسون من أجل استخراج أعشاب خضراء من البحر. رأيتهم مرارًا يقومون بهذا العمل، لذا حين رأيت الأشخاص الخمسة ظننتهم غطاسين. لم أفكر في أي شيء آخر، فالطريق كان يأخذ كل تفكيري. حين سمعت الصياح ظنته نتيجة خصام حول توزيع ما استخرجوه من أعشاب. حينها لم أولِ اهتمامًا إن كانوا حقًا يحملون أكياسًا يضعون فيها الأعشاب؛ كيف سأفكر في ذلك وأنا لا أفكر إلا في الطريق. نظرت جهتهم قليلاً، ثم عدت لأرى الطريق، فأي غفلة عنها يمكنها أن تضيع علي السفر. فجأة سمعت صرخة واضحة، لكن تركيزي في الطريق جعلها تبدو كأنها ضحكة مجلجلة. فكرت أن الشباب تصالحوا بعد خصامهم، وحتى حين رأيت شابًا منهم ممددًا ظننت أنه يزيل تعب جسده من جراء الغوص واستخراج أعشاب البحر. أيضًا الطريق كانت من منعني من الانتباه إلى الفتاة التي تبكي، فكما قلت أي غفلة ستكلفني معيشة يوم كامل. حين رأيت ثلاثة أشخاص يركضون لم أفكر في شيء؛ فكيف يمكن لمن يفكر في الطريق أن يتساءل عن سبب ركض ثلاثة شباب.

(9)

وقعت الحادثة صباحًا.

كان هناك شخص آخر دائمًا ما يرى الوقائع كما هي.

شخص يجيد وصف كل شيء بالدقة، هو من أخبرهم بملامح الأشخاص.

شاهد أيضاً

شريف عابدين

بأقل قدر من وهج  .. شريف عابدين

  تألقي.. بأقل قدر من وهج يتأجج في هدوئه المعتق منذ استرسال كاليستو كقمر رابع …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية