نار المعري ولا جنة أفلاطون .. فاطمة عبد الله

فاطمة عبد الله

 

لم يتبع أبو العلاء المعري مسيرة الأجداد مستندًا إلى جدار الموروث، ومتبعًا هداه، فكان بصيرًا بطريقه ينحوه تجاه هدفه؛ فكان مبتدِعًا لا متبِعًا، فداليته الشهيرة (غير مجد في ملتي واعتقادي.. نوح باكٍ ولا ترنم شادي) لم تكن مجرد قصيدة رثاء لصديقه، قدر ما كانت معرضًا لفلسفة المعري الوجودية، ومسرحًا لمناقشاته المنطقية، كذلك رسالته العظيمة “رسالة الغفران” لم تتبع نسقًا مسبوقًا في الرسائل العربية، فجاء موضوعها سباقًا على رسالة الزوابع والتوابع لابن شهيد، وعلى الكوميديا الإلهية لدانتي أليجيري، ليس لأسبقية زمنية للمعري عليهما، وإنما لفنية وخصوصية امتازت بها رسالته؛ حتى اتخذها ابن شهيد في المغرب العربي قدوةً له، وكذلك فعل دانتي في جنوب أوروبا.

تمثل “رسالة الغفران” إحدي الرسائل الإخوانية المتفردة، إلا أنها تتخذ شكل كتاب مطوّل، وتبدأ بمقدمة على غير ما نعهده في الرسائل العربية؛ فهي مقدمة طويلة غريبة تمثل لنا رحلة خيالية إلى العالم الآخر؛ يصطحب فيها المعري “ابن القارح” ويجول به داخل الجنة والنار.

تقدم الرسالة صورة للتفكير الناضج لأبي العلاء المعري؛ فقد كتبها وعمره يتجاوز الستين، بعد أن خبر الدنيا وعرف منها ما عرفه، وتعتبر الرسالة مثالاً لتأملاته في مصير الإنسان وفي نظرته للعالم الآخر؛ لذلك ينبغي النظر لـ”الغفران” على أنها عمل أديبٌ حتى نضعها موضعها الصحيح ولا نتجنى عليها؛ فهي تضم قسمين الأول: الرحلة الخيالية للجنة والنار، والثاني يتضمن رد المعري على رسالة ابن القارح له.

 

بين المعري وأفلاطون:

كان أفلاطون شاعرًا وكذلك كان المعري، فحين فكّر الأول في تأسيس جمهوريته المتخيلة، أو جنته، كان حالمًا مثل الشعراء، وحين كتب الثاني رسالته كان خياليًا أيضًا كالشعراء، غير أن أفلاطون بعد أولى الخطوات التأسيسية تنكّر لفكرة الحلم، فأغلق الباب على أصدقاء الأمس من الشعراء، وطردهم خارج جنته، وكذلك فعل المعري فأبعد تمامًا ذكر أحبابه الذين كان يأنس لهم، ويتعلق بهم في حياته، غير أن دوافع كل منهما ـ أفلاطون والمعري ـ ليست واحدة، فعلى حين كانت فكرة أفلاطون إقصائية، تعسفية تقوم على فكرة التحيز في تصنيف البشر وفق المواقف المسبقة التي تفرق بين الناس، وفي ذلك مناقضة لفلسفة أفلاطون ذاتها، كان استبعاد المعري لأصدقائه تشريفًا لهم حتى لا يجاوروا ابن القارح المذموم في نظر المعري، لأنه تنعّم بخير أبي القاسم المغربي فلما مات هجاه.

حفلت جنة المعري بالشعراء والأدباء واللغويين، في حين طردهم أفلاطون شر طردة من جنته أو جمهوريته الفاضلة المتخيلة، فلا نكاد نرى في جنة “الغفران” أحدًا غير هؤلاء باستثناء رجل واحد هو آدم ـ الذي لقيه ابن القارح في زاوية بعيدة في الطريق بين النار والجنة ـ وكأنه كان يلقي نظرة من هذا المكان على أبنائه المعذبين في النار، وحتى آدم وهو في جنة المعري لم يكن بعيدًا عن قضايا الأدب والنقد التي يعرضها أبو العلاء، فكان ـ آدم ـ محكِّمًا في قضية الانتحال ولغة أهل الجنة.

 

نار المعري ولا جنة أفلاطون:

ينتقل المعري بابن القارح متجولًين في النار، ليريه مَن فيها أيضًا من الشعراء والأدباء، وكأن أبو العلاء يصطحب الشعر والشعراء، ويناقش أعمالهم أحياءً وأمواتًا، متنعمين بالجنة أو هالكين في النار؛ فهو لم يتخلَّ عن الشعراء ولم يتنكر لهم كما فعل أفلاطون، فحتى حيَّات النار متأدبات، والجن المحشور بنار المعري شعراء وأدباء، كذلك حشر المعري نار غفرانه بالشعراء أيضًا، فعنترة العبسي “متلدد في السعير”، وطرفة بن العبد “يشتهي الهدوء والسكون”، وأبو كبير الهذلي “لا يقول أكثر من قوله: إنما كلام أهل سقر ويل وعويل”، وهذا الأخطل لا يصف عذابه بأكثر من قوله إنه “يتضور وإن يكن له من خلو البال ما جعله يحن لأيام يزيد”، بينما الشنفرى فيقول إنه “يحتمل العذاب ويحتمل الصمت فهو قليل التشكي”.. وحين مضي ابن القارح ـ بطل رسالة الغفران ـ في طريقه “رأى امرأة في أقصى الجنة قريبة من المطلع إلى النار؛ فيقول لها: من أنتِ؟ فتقول: أنا الخنساء السلامية.. أحببت أن أنظر إلى “صخر” فرأيته كالجبل الشامخ، والنار تضطرم في رأسه، فقال لي صخر: لقد صح مزعمك فيَّ، ويعني قولي:

وإن صخرًا لتأتم الهداة به

كأنه علم في رأسه نار”.

فيظهر أن صخرًا قد صحب هذا البيت معه إلى الجحيم؛ فإذا النار تشتعل في رأسه، وإن كانت الخنساء تعني شيئًا آخر.

ويمتلئ جحيم أبي العلاء بالشعراء، ولا نلمح سواهم إلا إبليس الذي يظهر في صورة الشرير القديم.. القارئ.. الراوية.. الذي يحفظ القرآن ويروي شعر بشار على وجه الخصوص.

هكذا أراد المعري لجنّته وناره في “الغفران” أن تصطبغا بالأدب والشعر؛ فملأهما شعراء وأدباء، وجعل الشعر سبيلاً للمغفرة.. وهكذا ظلت نار أبو العلاء أجمل وأشعر من جنة أفلاطون.

هكذا جعل المعري جحيم الغفران ـ كما جنّته ـ حافلاً بالحوار الأدبي والمناقشات بين الشعراء، وكأنه ينقل لأخراه ما يود حمله من الدنيا.

شاهد أيضاً

فاطمة عبد الله

ألاعيب دينا عبد السلام في «إعادة تدوير» .. فاطمة عبد الله

  عبر منطقة تماس بين دائرتين، تأتي مجموعة «إعادة تدوير» للكاتبة الدكتورة دينا عبد السلام.. …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية