مي رفقي تقدم الفنون الإسلامية بحضور معاصر .. د. أمل نصر

أمل نصر

 

تعتبر الزخارف الشرقية الإسلامية منبعًا بصريًا مهمًا لتجربة المصوِّرة مي رفقي؛ إذ استطاعت أن تستخدمها بنجاح استخدامًا تعبيريًا يتناسب مع تجربتها التصويرية، فنلاحظ أن الزخارف الإسلامية تشغل مساحات ليست بالقليلة في خلفيات وأرضيات أشكالها المصوَّرة.. تلك الزخارف التي نراها في المنمنمات أو أعمال الخيامية، أو النسيج المرقع “patch work ” أو السجاد الهندي.

 

وقد قدمت الفنانة تصورًا خاصًا للسطح، من خلال التكوينات المتعددة لهيئات عامة، في علاقة مع أجزاء الخلفية تسمح بظهور منمنمات متدرجة داخل المساحة، استخدمت فيها وحداته الزخرفية المتميزة، وتحول السطح التصويري لنسيج ملئ بالحركة والإيقاع الذي تتكثف فيه العناصر، مكونة هذا الملمح الشرقي الخاص المعتمد على الوحدات الزخرفية التي حولتها الفنانة من مجرد حلية أو زينة إلى أداة للتعبير، وفراغ للحلم والبعد عن الحالة الأرضية التجسيدية لتضع شخوصها في مجال بصري موحٍ ومنفتح، ويميل لحالة من التجريد التعبيري.

 

وقد جمعت مي في تكويناتها بين( وحدة الشيء أو الشكل)، والشكل المفتوح وذلك عن طريق تصوير شكل رئيسي في المساحةن غالبًا ما يكون العنصر الإنساني ـ وبين قطاعات أو ممرات طويلة أو عرضية تمتد بموازاتها، تحللها لمجموعة من الزخارف والأشكال ليغيب حجم الجسم ويتسامى وسط شبكة من المنحنيات الزخرفية، التي تبدو كما لو كانت خلية تزدحم بالأشكال النابضة، بهذا التناول للعنصر الإنسانى تعتمد مي رفقي فكرة” تغريب الجسد”، أي عدم الاهتمام بالجسد كعنصر مادي له حجم ووجود منفرد في العمل الفني، وهى فكرة ذات أصول شرقية قديمة نراها في اللفائف الصينية والمطبوعات اليابانية، كما نراها في المنمنمات الإسلامية، وهي ترى أن الوجود الحقيقي لأي شكل يكمن في بساطته، مع احتفاظه في ذات الوقت بأنقى خصائصه وسماته، وفي توحده مع كل الموجودات الأخرى، وربما تلك الخاصية الجمالية كانت هي السبب في عدم إعطاء الجسم الإنساني وضعًا مميزًا في العمل الفني الشرقي، بل صور كجزء من نسيج داخل العمل لا يتمتع بتبجيل خاص؛ لذا كان يُصَور مسطحًا ومحللاً لمجموعة من الخطوط أو الزخارفن وبنفس درجة الاهتمام بالعناصر الأخرى، فيختفي ظلـه ووزنه ولا يشـكل موضـوعًا منفردًا للعمـل الفـنين ولا يصور مستقلاً عن خلفيته كما نشاهد فى تصوير” البورتريه ” في الفنون الغربية.

 

وتمنح الزخارف الشرقية والإسلامية لتصاوير مي رفقي تلك الصيغة التعبيرية المبهجة ـ إذا جاز لنا هذا التعبير ـ حيث تغمر نماذجها الإنسانية بهان وتنسجها معها بشكل تصنع معه عالمها الخاص، قد تحقق ذلك من خلال خلفياتها التي تتناثر فيها الوحدات الزخرفية، أو من خلال قطاعات مزخرفة تقيم بها بناء الصورة تصميميًا، وقد تبسط مي الزخارف كسدائل في خلفيات العمل أو ملابس شخوصها أو كأردية يلتفون بها، وقد تشتبك تلك الزخارف مع الخلفيات وتتفكك أكثر؛ لتضاهي بصريًا نفس تأثير لمسة اللون ونفس وقع إيقاعها الانفعالي التعبيري السريع الذي تبني به اللوحة المصورة.

 

وفي أحيان أخرى تستخدم الفنانة الزخارف في مسطحات تتناوب مع مسطحات لونية فارغة فتتعادل معها، أو مسطحات متجاورة لتشكل قطعة من الفسيفساء، أو تضع بشكل ظاهر وحدة كاملة من وحدات الخيامية الشعبية، بينما تعيد توزيع نفس الوحدة بشكل أكثر تلخيصًا وخفوتًا في فضاء العمل، وأحيانًا ما تضع الفنانة مقطعًا زخرفيًا مستقلاً في خلفية العمل يصنع حوارًا بصريًا مع الشخصية المصورة.

 

وهكذا من خلال الزخارف الإسلامية تخلق مي نوعًا من التوتر والتغيير والخلخلة لكل ما هو ثابت، وتعطي نوعًا من التكثيف للتكوين؛ فيصبح التكوين ذا نظام متداخل بدقة، يكاد يماثل الفسيفساء ذات الإيقاعات العالية؛ مما يجعل التمثيل في العمل الفني يأتي في المرتبة الثانية في هذا التكوين الملئ بالتوتر، ونجد الألوان تجد حلولاً ثرية حتى في الأشكال المتناهية الصغر، وكذلك في تكوين تشكيلات كبيرة تحوي وحدات زخرفية صغيرة، تنطوي جميعها تحت نظام عدم الانتظام، تجعلنا نحمل تقديرًا كبيرًا لدور تلك الوحدات وتسلسلها، فقد كانت تحمل قيمة فنية كبيرة من خلال التتابع غير المنتظم في بنيتها الشكلية، ومن هنا أضافت الزخارف الإسلامية لتجربة مي رفقي هيئة شخصية لأعمالها، وهي بدورها منحت الزخارف الإسلامية بعدًا معاصرًا تجدد به حضورها في نطاق تجربة تصويرية متميزة.

* مصر.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

شاهد أيضاً

لذة السرد في (لعبة الملاك) .. حميد الربيعي

  قراءة في رواية الكاتب الأسباني كارلوس زافون برشلونة، عام ١٩٠٥، يفتتح فيها لأول مرة …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية