من مقامات المحبة .. شيرين فتحي

شيرين فتحي

الحب كائنٌ أعمى كما يقولون، لا قدرةَ لديه على التمييز السليم ما بين الأشياء، هو سالبٌ جيدٌ للعقل وللتفكير، كأن تجد نفسك متورطًا في التهام طبقٍ من الحلوى مغطى عن آخره بالمحار.. يبدو الأمر غريبًا وغير متوقع، ولكنك لا تملك حينها القدرة على تقبل الطعام أو حتى رفضه، إنك لن تلتهمه بل ستشعر به وهو يتخللُ روحك عنوةً. لتصاب بعدها بنوبةٍ من الذهول، كيف تمكنت من التهام تلك الأشياء الغريبة معًا! كيف لم تتمكن من مغادرة المكان؟ أو ترك الطبق كما هو؟ أو حتى حاولت تحطيمه كي لا يُلزمك أحد بمحاولة تذوقه؟

هكذا هو الحب مباغت وسيئ كصديق اكتسبت عداوته حديثًا فتجده أكثر من حولك إلمامًا بنقاط ضعفك كي لا يصيبك إلا في مقتلٍ كما يقولون.

أنا أحب.. إذن فأنا مجنون.. نعم هذا يعني أنني أؤمن بكل ما يفعله الحب بي، بل وأتلذذه مهما كانت درجة الإيذاء أو الظلم الواقع عليّ.. أنا أحب إذن فأنا مقاتل أحملُ الكثير من الأسلحة رغمًا عني.. أحمل تلك الأسلحة لا لكي تحميني ولكن لكي تورطني أكثر.

الحب حالةٌ غير مسببة، فهو نفسه سبب.. أنا سعيدة ﻷنني أحب وتعيسة أيضًا لنفس السبب، أنا أشعر بالقبح وبالجمال، بالغرور، بالقدرة على امتلاك العالم، بالامتلاء بالخواء، وبالانعدام الخالص لنفس السبب.

أنا أسامح وأعفو وأقسو وألعن، بل وأحملُ الطوب في جيوبي كل يوم كي أرميك به. الحب وجود كامل في حد ذاته.. لا معنى لمحاولة تفسيره أو حتى تغييره.

أنا أحبك رغم كل الكره الذي أكنه لك، نعم فلا تناقض هنا ما بين الحب والكره.. الكل في مقام المحبة سواء. كل الأضداد متساوية.. أنا أتقبل منك الشر بنفس السماحة التي أتقبل بها منك الخير.. أتقبل الجنون والحياة والعجز وحتى الموت، أتقبل الحفر التي أسقط فيها وأتقبل فكرة ألا يأتي أحد أبدًا لإنقاذي.. أتقبل فكرة أن نصبح عدوين وأن أقاتلك.. أو حتى أقتلك.. إنها لعبة المحبة التي لا وجود فيها ﻷي شيء سواها.

أنا أحبك لا ﻷنك جميل، أو حتى ﻷنك غير عادي، فوجود الحب ينفي القدرة على تمييز الصفات.. أنا أحبك ﻷن الشرارة انطلقت.. هذا كل ما في الأمر. تلك الشرارة التي سوف تظل مشتعلة إلى الأبد. فالمحبون وحدهم من يحملون مصابيحهم أمامهم مهما حاولوا إخفاءها خلف ظهورهم، أو حتى في ثنايا ملابسهم.. يتسلل النور من بينهم ومن خلفهم رغمًا عنهم حتى تصاب أرواحهم ذاتها بالوهج.

أنا أحبك لا لكي تعانقني، ولا حتى لكي تربت على كتفي في طرقاتنا الوعرة، ولكني أحبك فقط لكي أظل موقدة إلى الأبد.

شاهد أيضاً

محمد فايد

جذور الشر .. محمد فايد

  ليس في ما يخرج من يد الخالق إلا الخير، ويفسد كل شيء بين أيدي …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية