من قال إن طباخ السم يتذوقه .. وائل خورشيد

وائل خورشيد

 

يقولون يا لوسيفر إن «طباخ السم بيدوقه»، والجملة من الأساس غير صحيحة لو أمعنت النظر فيها، فأي حماقة تلك، لماذا أتذوق السم الذي طبخته؟

الرواية تقول إن أحد السلاطين أراد الناس قتله، فدعاهم وطلب من الطاهي أن يحضر له طعامًا فيه مادة تسبب لهم آلامًا في المعدة، ثم بعد أن أكلوا وشعروا بهذا الأمر، أخبرهم أنه كان بمقدوره قتلهم جميعًا ولكنه سامحهم، وسبب المثل: أن الطاهي كاد يتذوق الطعام، فمنعه هذا السلطان وسأله بتعجب.. هل طباخ السم يتذوقة؟!

ولكن لا يعرف الكثيرون القصة الحقيقية، يتعاملون مع المثل بمعناه المجازي، أي أن من يحضر شيئًا سيئًا لغيره، سيأتي اليوم الذي يتعرض هو له، ولكن هذا النوع من التفكير البائس تحته ملاحظات كثيرة.

الحياة ـ لن أتكلم فيما بعد الموت ـ لا تمنحنا دومًا المتسع لرؤية الطباخ يتذوق سمّه، بل بالعكس، نرى كل ضحايا هذا السم أمامنا، يومًا تلو الآخر، والطباخ لا يزال يطهو، حتى أن البراعة تصل به للدرجة التي تجعله يصنع الترياق، وينجو من السم، ثم يترك صنيعته تفتك بالمتناولين.

رأيتُ، على مدى حياتي القصيرة، وقراءاتي المحدودة، أغلب طباخي السم أحياءً بشكل عادي جدًا، وما زالوا مستمرين في الطبخ، ثم يأتي نسلهم فيكمل من بعدهم، اللهم إلا إذا أجبرته الظروف أن يتوارى قليلاً، أو يرتاح بعض الوقت.

أنت مثلاً يا لوسي، في هذه الحياة ما وظيفتك؟ أنت لست سوى طباخ سم، ولا تتذوقه أبدًا، أنت أخطأت مرة، فعوقبت، ولُعنت، وجئت هنا عنيدًا، تطهو كل أنواع السموم، ونحن نتذوقهم، كبيرنا وصغيرنا، أنت ستُعاقب بعد فناء الدنيا بكل تأكيد، وفقًا لما أعتقده، ولكن هنا في الدنيا، لن يحدث لك شيء.

هم مثلك يا لوسي، لعنة، لعناء، ملعونون، لُعنّا بهم، ونراهم يطبخون السم، ونبتلعه، ونظل نفعل هذا يومًا بعد يوم، ولكن إلى متى؟ الخريطة تتغير قليلاً كل سنوات كثيرة، وفي أغلب تقلباتها تنتج النتيجة السيئة ذاتها.

ربما الشر في البشر كفته أرجح كثيرًا من الخير، وربما السبب وراء ذلك فعلاً أننا كلنا من نسل قابيل قاتل هابيل، فلو نظرت إلى أول عُمّار الدنيا الذين نعرفهم، ستجد آدم المخطئ وحواء التي أعانته على الخطيئة، ثم من بعده، أولاد قتل أحدهم أخيه، وتناسل من النادم كل البشر، وإبليس.. أنت يا لوسيفر أقصد، وأنت مذنب أيضًا.

يبدو أن المعادلة من الأساس، أن الدنيا تفتح ذراعيها للأسوأ، والأشد إثمًا، بينما الممسكون على أنفسهم، أو الضعفاء أو التُبع، ليس لهم إلا أن يكونوا ضحية في الدنيا، وربما ترفعهم الأقدار قليلاً، يومًا ما، ولكن وللأسف أحيانًا يكون ذلك فقط حتى تهبط بهم بشكل قاسٍ ومؤلم، وربما ينالون الجنة في الآخرة، لو شكروا وحمدوا وصبروا، ولكن أنا أحاول أن أسيطر على إطار حديثي هنا لأجعله في الدنيا فقط، وما يحدث داخل الأرض، دون سابق أو لاحق.

بالتأكيد أعتقد في أن هناك موتًا، وأن بعده ثوابًا وعقابًا وجزاءً، ولكن من زاوية التفكير القاصر الضيق مني، الذي يتجاهل ما قبل الأرض وما بعدها، أجد الأمر مهلكًا جدًا، وهو دافع لي لكي أنحو تجاه الشر، فهو الأصلح هنا بهذه المعايير، فلو تناسيت أو تجاهلت ما قبل بداية البشرية وما بعدها، وفصلته عن ما فيها سأضل حقًا، وأنا لا أفعل يا لوسي، لا تبرز لي أسنانك الصفراء تلك بينما تبتسم، ولكن ما أعنيه، أن الأمر مزعج رغم ذلك، فالاستيعاب النفسي لا يشفع في كثير من الأحيان، ونحتاج لأمور مادية تعيننا على الانتظار.

على كلٍ.. لعنك الله أكثر مما أنت، ولعنهم معك، لتئتنسوا معًا في المقاعد الأخيرة من الجحيم.

* من سلسلة «نفسي ولوسيفر».

شاهد أيضاً

سيومي خليل

عن كرة القدم بين الشمس والظل .. سيومي خليل

  كتب الكاتب الأورغواني غاليانو كتابا جميلا عن كرة القدم اسمه «كرة القدم بين الشمس …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية