مقطع من رواية «صبيحة تخرج من البحر» .. عبد العزيز دياب

عبد العزيز دياب

 

(1)

في وحشة المكان وكثافة البوص أفسح مغاورى لنفسه طريقًا إلى الشاطئ، قبض على عصاه وتمتم، لوح بها يمينًا ويسارًا، رفعها عاليًا وهوى يضرب البحر!

اهتزت صفحة الماء، ارتفع منسوبه في مساحة محدودة يشملها غليان وهدير، قفزت الأسماك عاليًا، قفزت حيوانات البحر إلى الشاطئ، اندفعت فقاعات تسبح بعيدًا، حتى هدأت ثورته تمامًا.. تمامًا وساد السكون لحيظات حتى خرجت صبيحة من البحر تلبس رداءها الأبيض ووجهها يشع نورًا أضاء عتمة المكان!

جدى كان هناك وشاهد ما حدث.

مشى مغاورى بجوارها إلى شجرة الجميز تزفهما نقنقة الضفادع، أجلسها جواره، توارى جدى خلف صاج الساقية لا يدرى كم مضى من الوقت، يسمع المداعبات والضحكات الرنانة التي كانت تدغدغ جسده المتهالك.

قامت صبيحة تخطو في بطء كأنها تتأمل تفاصيل المكان.. كان ضور القمر يسقط فوق أفرع الأشجار فتشكل على الأرض كائنات خرافية.. تقدمت صبيحة إلى الشاطئ. رآها جدى تطبش في الماء.. انتشر غليان اشد من المرة الأولى تنفضه نافورة عالية تطاول سعف النخيل.

مغاورى جلس مكانه وانخرط في بكاء.. خاف جدى أن يقذف مغاورى بنفسه خلفها، مشى إليه وربت على كتفه لكنه انتفض واقفًا وقذفه بنظرة غاضبة، ثم أشاح بوجهه عنه.. انسحب جدى ومضى في صمت.

***

أمي قالت لجدى: يا رجل لا تقل هذا الكلام لأحد، ولا تجلس في هذا المكان وحدك حتى لا تخرج صبيحة وتأخذك معها إلى البحر، بعدها سوت له وسادته ونام.

(2)

فوق حافة صخرية لشاطىء البحر مزقتها ضغوط متنافرة، تضاءل مجال الرؤية أمامها، تحسست أسفل الظهر، تأرجح الجسد يمينًا وشمالا، الْتَمَعَ الماء بآخر أشعة الشمس، اختفت أسراب البهائم في تجاعيد الطرقات يشيعها نباح كلاب في جوف الحقول البعيدة، انتزعت رئتيها وطوحتهما بعيدًا، هبطت غبشة المساء خشنة، أطبقت جفنيها، انفرجت القدمان لتستقر على الحافة، نفض البحر أحشاءه: حيوانات منتفخة، طحالب، أصداف وقواقع.

انفجر صوت آت من الأعماق.

ـ ارجعي يا صبيحة.. ارجعي..

كان الجسد يغوص إلى القاع ويقب إلى السطح، حدث ذلك ثلاث مرات بعدها غاص ولم يقب.

أطبق الصمت أنيابه على الخلاء والشمس ابتلعتها سابع أرض.

***

همست جارتنا العجوز في أذن أمي وتركت مساحة من الوقت لتستعيد توازنها بعد أن شهقت وخبطت بكفها على صدرها، لم تفكر كثيرًا، سحبت طرحتها من فوق الحبل المشدود في ركن القاعة وهى تمتمت.

ـ ألطف يا رب

كنت ألبد في جنب جدى، انعم بالدفء على جمرات القوالح المصهللة، انتفض يطل من الكوة العالية، اشتعلت أفواه النساء في الشوارع وغُلِّقَتْ الأبواب، فزعت الجدران والبهائم في الزرائب، بكى الرضع، تخبط سعف النخيل، انتشر أزيز في شوارع البلدة، تدافعت الأجساد إلى الجسر تاركة كتلة الصمت تتمدد وتستطيل، تتفرع في الشوارع والأزقة.

أفسح لي جدى مكانًا لأطل من الكوة العالية، رأيت كائن الصمت بوجه قبيح يطوف الشوارع، يحرسها كخفر الدرك في ليالي الشتاء الباردة.. انفجر نهيق حمار فلملم كائن الصمت نفسه وبرطع إلى الخلاء البعيد.

***

الكتلة البشرية تسبح فوق الجسر، تموت الكلمات على الشفاه.. شيء ما يجول داخل الصدور، أشجار الصفصاف ترخى شعرها إلى صفحة الماء كجنيات الليل، مزارع الدجاج تفح روائح كريهة.. جسد البنت على الجسر له رائحة ما في ذاكرة الكثيرين.

غاص مغاورى في غيط الذرة وحش بقبضته الحشائش الطرية يغطى بها الجسد.. يستره، وانكفأ فوق أنفاسه تحت أقدام الحشد.

ـ أخذتها الجنيّة.

ـ البحر له كل سنة عروس.

هذا ما قالته أمي لحظة أن امتص الجسر الكتل البشرية.

جلس الرجال القرفصاء تتلاقح أفواههم، قهقه البحر وقال هل من مزيد؟! بكى مغاورى وشعر أن رحى الطاحونة تدور فوق جسده، تهرس عظامه.. صرخ صرخة خلخلت تلاحم الأجساد وحمل عصاه يشق غيط الذرة.

اختفى عامًا بأكمله كأنما أخذته الجنيات إلى سابع أرض.

أغْلَقَتْ الطاحونة أبوابها، أصبحت مرتعا للكلاب الضالة والزواحف والحشرات، ولم يظهر مغاورى إلا ليلة أن رآه جدى يضرب بعصاه البحر!

***

أعلن عطية الأعرج أنه مسئول عن معرفة أراضي مغاورى، ثم أطبق شفتيه يتأمل تعبيرات الوجوه.

حك البعض شواربهم.. حك البعض ذقونهم، وغادر البعض المكان.. تزحزح عطية الأعرج من الظل إلى بقعة الشمس، بصقت الشمس فوق رأسه، تزحزح إلى الظل، لعنه البعض في نفوسهم.. حاولت ذبابة أن تعبر خلال تجويف الفم، اسند ظهره إلى الحائط، نخسه الحائط.. انتفض واقفًا.

لكن يظل السؤال يطرح نفسه كل دقيقة.. كل ثانية، ويبقى السر ينخس الآخرين في جنوبهم، يظل السر مرتبطًا بأرضي مغاوري، رفرف هدهد فوق غصن شجرة التوت وقال للعصفور: السر في صندوق مرصع بالياقوت والزبرجد، والصندوق مربوط بحبال من فضة حملته جنيات الليل إلى قاع البئر، فغرد يا عصفور فوق رؤوسهم وقل لهم إن السر لنا وحدنا.

قلت لعطية الأعرج:

ـ هل ستعرف مكان عمى مغاوري؟

قال عطية الأعرج: نعم.

لكن ما هي حكاية صبيحة؟ السر يبدأ من غيط الذرة ثم يغوص إلى الأرض السابعة.

لماذا حملت عصاك يا مغاوري واختفيت؟

يلد السؤال سؤالاً آخر..

تطرح الأسئلة احتمالات كثيرة للإجابة، وها هي “أنصاف” أطلقت الدجاجات، والبط، والخراف، والماعز لتبحث عنك، وها هي الطاحونة قد غُلّقَتْ أبوابها بعد أن لفظت النفس الخير: تشك.. تشك، بعد أن حملت عصاك إلى الجسر لتتأكد أنه جسد صبيحة، وكدت أن تضع إصبعك لحظتها في أعين البشر، غطيته بالحشائش الطرية، وها هو حجر الرحى أيضا قد خرج من مكانه يلف ويدور في شوارع البلدة، همس له غبار الدقيق العالق بجدران الطاحونة أن البحث يبدأ من غيط الذرة، لكنه غاص في طين الأرض المروية.

***

قالت أنصاف:

ـ لا أحد غير عطية الأعرج يستطيع معرفة أراضي مغاورى.

جدى هز رأسه.. قال:

ـ عطية الأعرج؟!

قالت أنصاف:

ـ نعم.. كل يوم أذهب إلى الطاحونة، أتحسس الأبواب المغلقة وغبار الدقيق العالق بالجدران.. أجلس على فرشته المتروكة على المصطبة وأبكى.. يومها نهض في الصباح على غير عادته في الأيام الأخيرة، مهمومًا.. شاردًا، ذهب إلى الطاحونة، ولما أتى خبر صبيحة انتفض وأغلق أبوابها حاملا عصاه إلى الجسر.. من لحظتها لم تره عيني ولم يرجع إلى البيت.

قل لي يا شيح “قباري” ماذا أفعل، أنا أعرف أنك لا تحب عطية الأعرج، لكنه بألف عين، فهو يعرف من وضعت حملها، ومن انفرط حملها، وأين تخبيء الذئبة ولدها، وله جنود من الجن ينفذون على سابع أرض.

الطاحونة أغلقت أبوابها وسكنها العفاريت، في جوف الليل يفتحون الأبواب، ويدور حجر الرحى، تخرج إناثهم حاملات القفف الممتلئة بالدقيق، ويقذف ذكروهم الحب في القادوس ثم يختفى كل شيء في لحظة.

جاءت إحدى النساء تخبط باب الدار وقد تملكتها رعشة عنيفة ولما سألتها قالت إنهم (بسم الله الرحمن الرحيم) قد جعلوا رحى الطاحونة تدور.

قلت لابد إن مغاوري قد عاد وفتح أبوابها، ولم اقتربت سكنت الرحى ووجدت أبوابها قد غُلّقَتْ.. سرى دبيب النمل في جسدي ووقف شعر رأسي ووجدتني أدق بابك، وأقسمت برحمة الحاج مغاوري الكبير ألا أترك أبوابها مغلقة.

إني ذاهبة إلى عطية الأعرج ولن أبخل عليه بشيء من أجل أن يعود مغاوري.

***

ـ خذ يا عطية ما يكفيك: فلوس.. قمح.. ذرة.. فول.. كل ما ستطلبه سيكون

بين يديك، المهم لا ترجع إلا ومعك مغاورى.

فك عطية الأعرج تجاعيد جبهته، لمعت عيناه.. قال:

ـ لا بد أن أعرف أراضيه.. سأبدأ البحث من اليوم.

***

قلت عطية العرج أقوى واحد في البلد.

شردت أمي ثم انفجرت ضاحكة عندما تذكرت يوم أن زفه العيال وهو يركب حمارًا ووجهه جهة ذيل الحمار وقد حلق له كبير البلدة فردة شنب وترك الأخرى، والعيال يهتفون: يا عطية يا بوز النملة مين قالك تعمل دي العملة.

كانت النساء تقذفه بفرد الشباشب، لفت به مسيرة العيال شوارع البلدة وحواريها، بعدها ربطه كبير البلدة في مربط البهائم، فكته يد خفية وهج في بلاد الله، كانت الشوارع تلفظه كلما حاول أن يعود إليها، وقفت البلدة على قدم واحدة، وبات شبح عطية الأعرج يطوف كل الشوارع..

امتدت أذرع خفية تسمم بهائم، وتسرق بهائم، وتشعل حريقًا، وتخطف أولادًا، وتتلف زرعًا.. بات الرجال في هم والنساء في رعب، تهدلت العمائم في جلسات حامية، بصق رجال على رجال، سَبَّ رجال أمهات رجال، وشَبَّه رجال رجالا بالإناث.. في النهاية اتفق الرجال فقالوا:

ـ يجلس جوارنا نأمن شره.

جلس في ملتقى الشوارع يضع ساقه العرجاء على ساقه السليمة ينتظر هبوط الليل، فلما هبط- وكان واقفًا في الخلاء- قال لليل كلامًا يحبسه في صدر: أريدك أن تكون أشد ظلمة وسوادًا، في ظلمتك تتفتح لي الأبواب، ينحني حراسك يسلمونني مفتاح مدينتك.

وقال له الليل كلامًا حتى انطفأ نور القمر.

شاهد أيضاً

قيس عبد المغني

اندمي .. قيس عبدالمغني

أطلقي أثر الفراشة في مجاهل الحزن وفي تفاصيل البلاد التي تسكن في دمي.. اندمي ستوفرين …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية