مقام الالتباس والتجلي في «سيد بغداد» .. فاطمة عبد الله

فاطمة عبد الله

 

في رواية تعد سِفرًا لطائر سمندل يخرج من جحيم الحرب والاحتلال والاغتراب، وعبر مغامرة إبداعية سردية، يأتي الكاتب محمد طعّان بـ«سيد بغداد»، ليضعنا أمام مرآة لا تشي بسر رائيها، لكنها في الآن ذاته تضعه بين مقام الالتباس والتجلي.

 

تمثل الرواية بعد اكتمال قراءتها شريحة عرضية لخلية حية تماثل كافة مكونات جسد المجتمع العراقي؛ وكل مكون منها يظهر تحت مجهر القراءة يشير بدوره لشريحة طولية تندرج تحته، ليكتمل إطار الرؤية ضامًا ومحددًا للقارئ فضاء النص الروائي لـ«سيد بغداد».

 

غير أني وتجانسًا مع جو الرواية الروحي أرى أن محمد طعّان توسل، في روايته، شريط ضوء يخترق عتمة لا هي بسواد حالك يمنع الرؤية، ولا هي ببياض ضوء ناصع يتيحها بوضوح، داخل هذا الشعاع تتراءى ذرات تتضارب أو تتدافع.. تتجاور أو تتباعد، لكنها تظل في فضاء خيط ضوء يخترق العتمة، وما هذه الحركة المتماوجة إلا لذرات قضية المواطن العراقي، أو قضية الإنسان العربي عمومًا، يلملمها الكاتب كقضية موازية لوجود الذات وأناتها وصراعاتها في الحياة، لتكون التجربة الإنسانية القومية هي خير معبَّرٍ عنه في خضم الصراعات الخارجية المشتعلة، التي تتوازى مع صراعات الذات الإنسانية المبدعة؛ لتنتج واقعًا موازيًا لما خبره الكاتب بالمعايشة، أو بالوعي أو حتى بالسماع؛ ليسجل للمتلقي، سرديًا وروائيًا، هذه الرواية كقنبلة موقوتة تكاد تتفجر في وجه كل بطش إنساني سواء كان ماديًا أو معنويًا.

 

مقام مَنْ جالَسَ جانَسَ:

الرواية تبدو خارجة من ذوات الشخوص الواردة بها، على اختلاف توجهاتها الفكرية والعقائدية، رغم احتفائها بطقوس الشيعة، ومشاهد عاشوراء، وأجواء الحسينية، غير أنها في الحقيقة، وعبر مراحل قراءتها، تقدم لكل الطوائف، عبر نصٍ خارج من بين ركام ذات إنسانية، تعاني بعضًا أو كلاً مما تعانيه تلك الشخوص في أماكن وأوقات أخرى.

 

فـ«سيد بغداد» رواية معبأة بالوطن، حيث السيد هنا ليس السيد السياسي/ السلطوي «صدام حسين»، وليس السيد المحتل المستتر خلف راعي الديموقراطية والإنسانية «الأمريكان»، وليس هو السيد الديني، بل السيد الحق هنا هو المكان الكامن في نفوس الشخصيات، والذي يتراوح بين القرب والبعد بثنايا الرواية، فهذه الشخوص بعيدة عن وطنها بفعل أكثر من فاعل «فجون بعيد عن أمه وأميركا بفعل المشاركة في حرب نبيلة الهدف كما كان يعتقد، وأحمد ظل مبعدًا عن العراق هائمًا بسوريا لأنه شيوعي تعتبره القيادة الحاكمة معارضًا لها، والسيد ذاته ظل مبعدًا عن إقامة حسينيته بقهر من السلطة، وآمنة ظلت هاربة من متابعة وطبان ومن كونها كولية.. والهور نفسه هجره أهله جراء ما فعله النظام من حجب المياه عنه».

 

ورغم أن هذه الشخوص، التي تدل على شرائح تماثلها في الواقع العراقي، كانت بعيدة عن وطنها بفعل فاعل، إلا أنها قريبة منه كهواء تتنسم منه الحياة؛ فالشخصيات جميعها تعاني على مدار مذبح الوقت، في زمن الحكي، من غربة واغتراب، إلا أنها شخوص، تمثل مرايا للإنسان في الوطن العربي وهي تحاول جاهدة التقافز، والتواثب بالحضور، على شجنها واغترابها، حتى لا تأخذها غربة عن الوطن إلى غيابه من الذاكرة والقلب والعين، ما يجعلنا نلحظ ما يؤكد عليه الكاتب من صعوبة انفصال الذاتي عن الجمعي لا سيما ما يتعلق بالوطن والهوية.

 

تمكن المؤلف كذلك من صوغ تدافعه الروائي بلغة تقف في منطقة أعراف بين النثر والشعر، ولعل ذلك يتجلى في عناوين بعض الفصول ومنها على سبيل المثال (الفصل الرابع ص48) «وآمنة تتجه نحو الديار (196) وكأن الواو هنا واو حال توجه القارئ لاستحضار هذه الحال وهيئتها، وكذلك عنوان الفصل الـ16 ص196: «الأحباء المهاجرون تركوا القلب العاشق وحيدًا».

 

كما أنها لغة تُجانِس مَن تتحدث عنه، أو ما تتناوله كمادة للحكي؛ فحين يكون الكلام عن علاقة جيش الاحتلال بالسكان تأتي اللغة حادة متضمنة مصطلحات عسكرية (ص 220): «أنا موقن بأن الجيش يعمد منذ الآن إلى ما نسميه في لغتنا الخاصة توقيفات وقائية، ولا يمارس ذلك إلا حين يصبح الجيش حذرًا جدًا حيال السكان الذين قد يصبحون عدائيين تجاهه ومعادين له بصورة كامنة، ويُفترض أن هذه التوقيفات سوف تردع أي شخص قد يفكر في إبداء معارضته للاحتلال».

 

بينما ترق اللغة عندما يصف مشهد مقاربة وطبان من آمنة (ص167): «على غرار رجل جائع أمام مائدة حافلة بالطيبات، لم يكن وطبان يعرف من أين يبدأ وجبته وكيف، كانت يده تتنزه على جسد آمنة التي لم يكن يصدر منها أي رد فعل… في ظرف دقائق قليلة عرّاها بمتعة واضحة… كان يتطلع إليها عارية، ويعجب بجمال جسدها المنحوت بدقة، متذوقًا المتعة المنبثقة من انتظار طويل لم يذهب أدراج الريح، كانت آمنة تستحق تمامًا ذلك الانتظار».

 

على حين تذوب اللغة جمالاً وصفاء في مناجاة الحسين رضي الله عنه ربه (ص233)، وتشف حين الحديث عن نبوءة جده صلى الله عليه وسلم له، وتتحول للغة تكاد تؤدي وظيفة الموسيقا التصويرية في مشهد الحسينية، وهي تمر من عين آمنة إلى وطبان عبر نافذة الحجرة.. وتتحول للغة بصرية عند وصف طقس غُسل فارس ومشهد الدفن وتصوير مكان القبر (ص201).

 

وهكذا حمّل الكاتب لغته السلسة معنى الفناء كقيمة مُرعبة بالنسبة للكائن الإنساني، لذا ثمة كفاح مُبطَّن نحو اعتبار الذات المُتوفاة، والتي ستوارى التراب داخل قبرها الآن، هي ذاتٌ إنابية، بديلة، عن ذواتٍ لا حصر لها ما زالت على قيد الحياة، لذلك جاء وصف انتقاء السيد لماء الغسل حتى ليبدو ماءً مقدسًا، ووصف القبر محاطًا بما يليق من وسائل حماية لذاتٍ يُمكن أن تموت في أي وقت، وتطمح من ضمن ما تطمح إليه إلى حماية ما، لكي لا تبقى سائبةً ومعزولةً في هذا العراء.

 

كذلك حمّل محمد طعّان لغته عطر أنسام العاطفة، وببراءة السؤال، وحدة الاكتشاف والوجع؛ ما جعل الشخوص يتعذبون من معاناة الوقوع في مقام الالتباس: فحكايا الشخصيات عن ذاتها تأتي عبر أوقات وأمكنة تتجاور حول خيط ناظم، يبدو محمولاً على السيرة الذاتية لهذه الشخصيات، الباحثة عبر اليومي المعاش عن وشائجها الأولى مع الأماكن التي درجت فيها، وبين أهل وصحب وجيران وحتى غرباء، لتشكل مشهدًا لمعاناة إنسانيين نضجت على نار الوجع، وفي أكناف مكان/ وطن يقاتل من أجل طرد خاطر أسود يدور حول الغياب: فالحسينية تقاوم فقد المنشدين والضرّيبة والندابة، وغياب صوت السيد ومحاصرته بدائرتي شريط الكاسيت.. والهور يخاطره رعب التصحر والملوحة.. والقبو يرتج من تعالي صيحات المعذبين في شريط التسجيل.. والمسرح يشتاق أقدام الممثلين لا المطرودين.. والمقهى يفتقد للصحبة والنقاش بين أمناء الفكر لا الخوّانين.

 

والكاتب ها هنا يلوّن لغته بما يناسب المقام من أبيض البراءة والدهشة، لأسود الظلم والبطشة، تاركًا هذا المكان، عبر الشخصيات، يتعذب برماديّ «مقامِ الالتباس»: «فالحق المتعارف عليه أبيض ناصع، والظلم الواقع من كل سلطوي أسود قاتم وقعه.. وحْدَهُ الوطن وقع في رفة قلب دخل إلى الصمت؛ فأصبح التباس المشهد الذي يعانيه المكان بشخوصه وَحْدَهُ الواقعَ في الرماديّ؛ حتى لكأنها مطارح تَنْشُد التجلي فتقول: “الأماكن كلها مشتاقة لك أيها الوطن الإنسان»!

 

اللغة كتوقيفات وقائية

لغة الرواية تقود قاطرة السرد، وتزودها بكل ما هو فاعل، وقادر على منح الحكي دافعية البقاء والسيرورة من جهة، وقابضةٌ على مقود القارئ من جهة ثانية، فدكتور محمد طعّان وهو ينسج خيوط شخوصه وأحداث روايته، يحيك ببراعة نسيجًا يشترك القارئ معه في تكوينه، أو يتبادلان في بعض مواضعه سم الخياط؛ ليلضم فيه كل منهما ـ الكاتب والقارئ ـ بعضًا من عقائده وكثيرًا من دهشته.

 

فحين يتحدث «السيد» إلى «جون» عن الحسين وفدائه للإسلام والإنسان، أو عن المهدي المنتظر ببشارة الخلاص الإنساني، تتناص خيوط القارئ مع الكاتب ما يستدعي للذهن صورة السيد المسيح عليه السلام، لا سيما وأن القارئ يتمثل شخص جون وهو يتلقى هذا الكلام، غير أن الكاتب يصنع «توقيفات وقائية» للقارئ، فبحنكةِ «ترزي» قديم يتدخل في هذه اللحظة المناسبة؛ فيلتقط خيطًا آخرَ يُلقمه سم الخياط؛ ليحكم به عقدة الطرف بسهولة ويسر، لتعْبُر الرواية بمرونة إلى عين الهدف: وهو ترك النص مفتوحًا على أبواب التأويل، مانحًا بذلك كل قارئ براح المشاركة، ودهشة مخالفة تيار التلقي.

 

عاشوراء

ألفتني وجود عنوان فرعي للرواية «قصة الجندي الأميركي الذي اكتشف سر عاشوراء» وبدهيٌّ أن يُطرح تساؤل مثل «لماذا عاشوراء؟» نفسه مباشرة عقب قراءة العنوان، فهل كان الغرض من الرواية بالأساس ذكرًا دقيقًا لوصف طقس عاشوراء، وما يحويه من مشاهد مصاحبة، ووصف مسرح التعزية العراقي؟ كوسيلة يرسخ بها الكاتب هذا التراث في وطن بات محتلوه يستهدفون كل ما هو تراثي فيه؟ أم كان الهدف هو سرد خلفية تاريخية عن طقس عاشوراء، الذي يشاهده الجيل الجديد؛ ليعرف إلى أي جذور يعود؛ ومن ثمّ يعرف قيمة هويته التاريخية؛ فينهض ليقاوم بها تيار عولمة يريد اكتساح هذا التاريخ، ومحوه أو نسخه في أعين الجيل الجديد؟ أسئلة كهذه وغيرها ناوشتني عند محاولة الإجابة على «لماذا عاشوراء؟» غير أن سؤالاً آخر استمد لنفسه مكانًا مضافًا إلى السؤال الأول: ولماذا جندي أمريكي؟ هل لأن الكاتب عمد إلى صوغ شخصية جون كإنسان محايد، يتلبس أمام المتلقي شخصياتٍ أُخر؟

 

ففي لحظات يجعلك الكاتب تتصور شخصية جون وقد استحالت إلى شخصية «حرّ» فكلاهما انحاز إلى الصف الآخر تاركًا جيشه الذي أتي فيه، حيث يرمز مشهد التحول في اتجاه «حرّ» إلى مشاعر نبيلة بقدر ما هي تنضح بالشهامة والفروسية؛ فحرّ الذي انحاز إلى الإمام الحسين ضد جُند «ابن سعد» استفظع موقف الأمويين من الحسين، وكذلك استفظع جون موقف الأميركان من العراقيين أحفاد الحسين! كما يستحيل جون عند تساؤله أمام السيد: أليست الولايات المتحدة على حق في قرارها تجاه العراق؟ يستحيل إلى شخصية عليّ بن الحسين حين يسمع أباه يُرجّع فيسأله نفس السؤال! «وفي الطريق سمع ابن الحسين عليه السلام عليّ الأكبر أباه يردد إنا لله وإنا إليه راجعون وقد استوضح أباه أسباب شكواه، وجاءه الجواب: أرى الموت يتبعنا عن كثب وأخاف على صحبي».

 ـ ولكن يا أبتاه ألسنا على حق في قرارنا؟

ـ بلى يا بني.

 

لكن المؤكد لدي أن كل الأجوبة متعلقة بمكنون مقولة الحسين رضي الله عنه: «أرى الموت يتبعنا عن كثب وأخاف على صحبي»، وكأنها أصبحت أيضًا شعارًا يمرره الكاتب لنا فكلنا هذا الصحب!

 

كما أن جوهر هذه العبارة هو نفسه «سر عاشوراء»، وأتصور أن هذا هو عين الهدف من وراء سِفر جميل الكتابة كـ«سيد بغداد» إذ أن عاشوراء ليست مجرد خلفية تراثية تليق برواية عراقية، أو مجرد تمثيلٍ لمأساة كربلاء، واستشهاد الإمام الحسين وذويه، بل مقصود منها ما تمثله من العدل والنضال، ومن سعي إنسان يستعبده طغيان حاكم جائر، فما كان اضطهاد الإمام الحسين إلا تشكُّلاً أساسيًا لثورة ضد الطغيان.

 

لهذا أعتقد أن الكاتب يحشد روايته بكل ما يهدف لدفع الإنسان لمغامرة «اكتشف.. تعلمْ.. ثم العبْ بشكل صحيح لعبة حريتك وثُر على كل طغيان.. حتى تصير في أماكن تعيرك ألفتها كأنك هناك مع شخوصها الحقيقيين  لم تغادر المكان/ الوطن ولم يغادرك».

* محمد طعّان: طبيب وأديب لبناني، صدر للكاتب ثمانى روايات منها سيد بغداد و “ما باحت به ساره” التى صدرت عام 1999 باللغه الفرنسيه وتم تعريبها في العام التالي، و رشحت لعديد من الجوائز منها جائزه القدس.

شاهد أيضاً

فاطمة عبد الله

ألاعيب دينا عبد السلام في «إعادة تدوير» .. فاطمة عبد الله

  عبر منطقة تماس بين دائرتين، تأتي مجموعة «إعادة تدوير» للكاتبة الدكتورة دينا عبد السلام.. …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية