معطف الزويتني .. منصف القرطبي

القرطبي منصف

 

كثيرون لا يفهمون صلتي بالشاعر نور الدين الزويتني، معتقدين أننا نتبادل المجاملة أو الإطراء أو أي شيء من هذا القبيل. في الحقيقة أجد لهم ألف عذر (كيف تأخذ على مجتمع تقوم فيه المرأة بكل شيء ويعتبرونها جسدًا فقط؟) من بينها أننا نعيش في غابة ثقافية لا أحد فيها يعترف بأحد، ولا أحد يحب أحدًا، وكلما ذكر اسم كاتب جيد أمام كاتب آخر قال فيه ما لن تقوله عاهرة؛ ثقافة معطوبة مريضة في آخر المطاف، ثقافة لا تمنح للمحبة والاعتراف والقيم الإنسانية مكانة وقيمة، في كل حركة تفعلها، في كل نبتة زرعتها؛ يرون أنك تفعل ذلك من أجل مصلحة أو غاية براغماتية نفعية.

علاقتي بالزويتني هي علاقة إنسان يحب الكتابة ـ وينحت صخورها كل يوم مؤمنًا بأنه لم يصل إلى جوهر الكتابة ـ بشاعر ومترجم وباحث وأستاذ كبير هو الزويتني.. وعلاقة كهاته، لن يرى فيها عاقل وإنسان نبيل أي مجاملة بقدر ما هي مبنية على حوار وتواصل وحب واعتراف وإبداع وجمال نسعى إلى القبض عليه معًا، علاقة لا تؤمن بالسن والحدود والقيود، علاقة تعلم دائم.. علاقة عشق للجمال والجلال بمعنييهما الكانطي.

هي علاقة اعتراف شبيهة باعتراف دوستويفسكي وكتاب روس كبار بمعلمهم وأستاذهم غوغول صاحب المعطف والأنف والأنفس الميتة.. حتى أن دوستويفسكي ـ وما أدراك ما دوستويفسكي ـ قال: «كلنا خرجنا من معطف غوغول». فهل نعتبر دوستويفسكي يجامل غوغول؟ هل يحتاج غوغول إلى محاباة ومجاملة؟

الكاتب الحقيقي يبدو من بعيد كعمارة.. لا يحتاج إلى كلام أو مجاملة أو إشهار.. لأنه أولاً وأخيرًا يكتب ليصل إلى ذاته، ليقبض على جوهره، على كينونته، على إنسانيته.. أما الأشياء الأخرى فلا قيمة لها.

لقد تعلمت منه أشياء كثيرة، وما زلت أتعلم، كما أنني تعلمت من زفزاف وتشيخوف…

تعلمت من نور الزويتني حين قرأت شعره وإبداعه؛ أما حين التقيت به فلقد اكتشفت انسجام كتابته مع شخصه وإنسانيته وروحه النبيلة.. عكس كثير من الكتاب الذين خيبوا ظني كثيرًا، ورأيتهم محض مدعين وفاغرين مليئين بالنرجسية المقيتة.

أعتبر الزويتني حالة من الحالات النادرة التي اعترفت وتعترف بسنوات قضيتها في الكتابة كل يوم، بنصوصها الجيدة والسيئة، من بين القلائل الذين يقرؤون النصوص لا الـمؤخرات والنهود.

شاعر مليء بالمحبة والجمال، يضع وردة في كل نص يقرؤه، في كل كلمة.. شاعر وجدتني أكتب عنه نصين شعريين ـ مع التركيز على شعريين ـ دون أن أدرك ما أفعله إلا بعد النهاية من الكتابة.

ربما رآه كثيرون في آخر صورة نشرها في جزيرة بالي ـ التي كتبت عنها نصًا بأندونيسيا ـ إنسانًا يتنقل بين الدروب والشوارع؛ بيد رأيته أنني وردة تفوح من هناك إلى الهناك؛ فكان أن كتبت نصًا على عطر وردة أو رائحة زهرة لا على الزويتني!

الشعر هكذا أراه، إذا لم يجعل منك إنسانًا صافيًا يحب الجمال كيفما كان، ويتجاوز الهوامش، إذا لم يرتقِ بك، فأنت بعد، لم تعرف ما الشعر وماذا يكون.

صحيح أنني أكتب منذ الطفولة، لكنني خرجت ـ أو سأخرج ـ من معاطف كتاب وشعراء كثيرين، ومن بين هذه المعاطف معطف الشاعر نور الدين الزويتني.

 

نور الدين الزويتني

* المغرب.

شاهد أيضاً

الحبيب الواعي

الحبيب الواعي يكتب: رحيل ميروين الإنساني الشاعري

  ولد ويليام ستانلي ميروينفي مدينة نيويورك عام 1927، وترعرع بين تقاطع زاوية الشارع الرابع …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية