مصطفى جلال يكتب: ظاهرة التناص فى «مساكين يعملون في البحر» لمقلد

عبد الرحمن مقلد

حين تقرأ ديوان “مساكين يعملون في البحر” للشاعر عبد الرحمن مقلد تعرف جيدا أنك أمام شاعر متمكن استطاع أن يحفر اسمه مبكرًا في مصاف شعراء كبار من شعراء العصر الحديث، هو ليس واحدًا ممن ينتمون لمدرسة شعرية عظيمة فحسب؛ بل هو واحد من الشعراء الذين يتركون بصمة متفردة في مجال الشعر العربي بل والأدب عمومًا.

لقد استطاع مقلد في ديوانه الثاني، الذي صدر مؤخرًا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، أن بعبر بواقعية شديدة عن ملامح كبيرة من معاناة بعض الفقراء المهمشين الذين عايشهم بنفسه، ولمشاعرهم، وارتبطت حواسه بهم، وقد تمكن الشاعر من تجسيد الواقع المرير مستخدمًا أدواته العديدة التي يملكها، ومن أهمها موهبته الفذة التي ميزته عن شعراء جيله، ولغته التي اكتسبها من خلال دراسته في دار العلوم، وثقافته الواسعة التي ينضح بها كل سطر شعري في ديوانه.

وعندما تقف أمام “مساكين يعملون في البحر” تجد العديد من الظواهر اللغوية والأدبية التي تستحق الدراسة، كما نقف متأملين أمام دواوين وأشعار كبار الشعراء في شتى العصور، وقد لفت انتباهي عدد كبير من تلك الظواهر، إلا أنني أحببت أن أشير، ولو إشارة بسيطة، إلى ظاهرة التناص التي كانت واضحة بدرجة لا تخفى على قارئ في ذلك الديوان.

والتناص لغةً هو الاتصال كما ورد في لسان العرب: “يقال هذه الفلاة تناص أرض کذا، وتواصيها أي يتصل بها”، وهو في الاصطلاح يعني “تعالق النصوص بعضها ببعض”، وهو ظاهرة تعد من أهم مميزات النص الأساسية التي تحيل على نصوص أخرى سابقة عنها ومعاصرة لها.

وحتى لا يظن ظان، أو يخلط قارئ بين التناص وبين السرقات الأدبية، أو تسوّل له نفسه أن يوجه اتهامًا للديوان، نورد ما ذكره عبد القاهر الجرجاني في ذلك حين اشترط للتمييز بين التناص، وبين الانتحال والسرقة والنسخ، تحقيق الإضافة والتجديد فـ “متى أجهد أحدنا نفسه، وأعمل فكره وأتعب خاطره وذهنه في تحصيل معنى، يظنه غريبًا مبتدعًا ونظم بيتًا، يحسبه فردًا مخترعًا، ثم يتصفح الدواوين لم يخطئه أن يجده بعينه، أو يجد له مثالاً يغض من حسنه، ولهذا السبب أحضر على نفسي، ولا أرى لغيري بثَّ الحكم على شاعر بالسرقة”.

وقد أبدع شاعرنا في التجديد والتطوير والإشارة إلى نصوص أخرى، وثقافات مختلفة اطلع عليها، لكنه وضع فيها ما يعبر عن موهبته وفكره الخاص، وهذا ما دفعنا للحديث عن ظاهرة التناص في ديوانه الذي بين يدينا، وإن كانت إشارات سريعة رغم أن الديوان يستحق دراسة أوفى وأعمق.

وفي اللحظة الأولى التي تمسك فيها بالديوان، أو مجرد أن تسمع اسمه، يتضح لك من العنوان فكرة التناص مع القرآن الكريم، فجملة “مساكين يعملون في البحر” لا تخفى على أحد، حيث وردت في سورة الكهف في قوله تعالى: “أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا”.. ومقلد عبر بها عن الفئة أو الشريحة المجتمعية التي أراد أن يجسد معاناتهم للقارئ.

ولا يخلو الديوان من الجمل التي تتناص مع النص القرآني، فهي كثيرة نذكر منها أيضًا، على سبيل المثال لا الحصر.. ففي قصيدة “نوار يضئ ويختفي مرثية لوالدي” يقول الشاعر:

كلما آنست ذكرى

كنت أحكيها لكم

لأمرر الساعات

حتى أنتهي من جمع أغراضي

وتهذيب الوسائل

أهتدي بغواية المشاء

في كتفي عصاتي

في هذا المقطع تجد شاعرنا تأثر بقصة سيدنا موسى في القرآن الكريم، حين قال الله على لسان موسى عليه السلام “فقال لأهله امكثوا إني آنست نارًا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى”، وحديث موسى مع ربه “وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى”.

وفي قصيدة “طرق متربة الهواء” يقول مقلد:

انزف لنا شجنية

نلتف حولك عندها

نحن الأرامل واليتامي والمساكين

لقد جمع مقلد بين اليتامى والمساكين كما حدث في مواضع كثيرة في كتاب الله عز وجل، منها قوله تعالى “وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين…”.

وفي نفس القصيدة يقول الشاعر:

الناظرات بلهفة للبرتقال

الذاكرات بأن ما في الجيب

لا يكفي دواء الأنسولين

المحرجات

الخاشيات

الهاربات من الحجيم..

لا شك أن الشاعر تأثر بوصف الله للنساء في القرآن في قوله تعالى “عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا”.

وليس هذا فحسب؛ بل تعددت مواضع التناص مع القرآن الكريم مما يدل على ثقافة الشاعر الدينية، واطلاعه على كتاب الله، وما ذكرناه كان على سبيل المثال فقط.

ولم تقتصر ثقافة الشاعر الدينية على القرآن فقط، بل ورد ما يدل على اطلاعه على الحديث الشريف حين يقول في قصيدة “مثل فلاسفة قدماء”:

ستجعلها لحظات الوداع السريعة

نحثو الرمال على وجهنا

وندق فيك

بالطبع تأثر الشاعر في “نحثو الرمال على وجوهنا” بحديث النبي صلى الله عليه وسلم «إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ».

وقد وردت مواضع في الديوان للتناص مع النصوص الأدبية، كالرواية مثلاً، ففي قصيدة “يعملون في البحر” قال الشاعر:

القساة إذا يحتمون من الذكريات

بقرع رؤوسهم في الحجار

وإفراغ أعينهم في الصحاف

ليأكلها الانتظار

وتنعدم الرؤية المخملية للغد

فكلمة (الرؤية المخملية) وردت من قبل، وإن اختلف سياقها عند مقلد، في رواية “أعدائي” لممدوح علوان، حين يقول “كيف يسمح لنفسه بالتفكير في الجنس بهذه الطريقة؟ ومعها هي؟ مع هذه الرؤية المخملية الظليلة؟ ماذا لو عرفت؟ ماذا سيكون رأيها فيه عندها؟”.

لا يخلو الديوان من السطور الشعرية التي تدل على اطلاع الشاعر وتأثره بكبار الشعراء في العصور السابقة.. ففي قصيدة “مثل فلاسفة قدماء” يقول:

هذا الذي نتطوف في قطره كالحجيج

فاستخدامه لصورة الحجيج هنا كانت متناصة بشكل كبير مع بيت المتنبي الذي يقول فيه:

تبيت بها الحواضن آمنات

وتسلم في مسالكها الحجيج

ويقول الشاعر في نفس القصيدة:

لذا لا نخاف من البرد

لا يأكل الملح أجسادنا

لا يؤرقنا السيب

نلمح تأثره بقول الشريف الرضي:

ما نازل الشيب في رأسي بمرتحل

عني وأعلم أني عنه مرتحل

أما تأثر الشاعر بالشعراء المعاصرين فهو أمر لا يخفى على أحد، وكيف لا وهو أحد القراء الجيدين والمحبين لكثير من شعراء العصر، بل وقد أثنى عليه بعضهم.. يقول الشاعر في قصيدة “الدم”:

تمنيت أن أكون قتيلك

أن أتراجع

أن أتوسل كي ترفع الرمح عني

وأسجد تحت حذائك

كي تتوقف

فتلك الصورة، التي استخدم الشاعر فيها الحذاء تعبيرًا عن الذل والإهانة أمام عدوه، استخدمها الراحل الكبير محمود درويش في إحدى قصائده:

دقي بكعب حذائك

أيقونة الكون تهبط إليك الطيور. هناك

ملائكة… وسماء مدربة، فاصنعي ما

تشائين! دقي القلوب ككسارة الجوز

ويقول مقلد في قصيدة “عدوان”:

وأنت تعد عشاء

لضيفك

تبدأ حفلة شاي

كان لزامًا علينا التجهز للحرب

كنا نغذي بنادقنا بالرصاص

تأثر أيضًا بمحمود درويش في قصيدة “متتاليات لزمن آخر” حين قال:

كان يوماً مشرعاً. والغد ماض

قادم من حفلة الشاي. إذاً كنا!

وكان الإمبراطور لطيفاً معنا. 

وفي نفس القصيدة يقول شاعرنا:

في الحصن

ننسف مبنى البريد

ودار الحكومة

نهدم دارك أنت

تأثر شاعرنا هنا بواحد من أهم شعراء الحداثة لا يقل عن درويش، ألا وهو الشاعر الراحل أمل دنقل في قصيدة “مقابلة خاصة مع ابن نوح” حيث قال فيها:

والماءُ يعلو.

على دَرَجاتِ البيوتِ

الحوانيتِ

مَبْنى البريدِ

البنوكِ

لم تكن ثقافة الشاعر متمثلة في الثقافة الدينية والأدبية فحسب، بل وجدنا في الديوان ما يدل على اطلاعه على الثقافات والأساطير القديمة، وذلك ما جاء في قصيدة “إلى الأجيال القادمة” عندما قال:

وكأني أراك تحدد للنهر مجرى

وترسم

خارطة وحدودا

لكي تسع الأرض

واطئها وبينها…

وها أنا أمشي

على النار

فالمشي على النار، الذي أورده الشاعر هنا، ما هو إلا اقتباس وتناص مع إحدى الثقافات القديمة، وهي الثقافة الهندية.. فالمشي على النار عند الهنود جزء من طقس ديني له صلة بقوى خارقة يمتلكها بعض الدراويش.. في حين يعتبر في أمريكا جزءا من ثقافة أو دين العصر الجديد، أو نشاطًا تحفيزيًا للذات.. ولعل الشاعر استخدم هذا التعبير تحفيزًا للذات عنما تحدث للأجيال القادمة.

ولعل ما أوردته في السطور السابقة من بعض ما يدل على ظاهرة التناص في ديوان “مساكين يعملون في البحر” للشاعر عبد الرحمن مقلد يكون منصفًا للشعر والشاعر، وإضافة لبعض المهتمين بالديوان، رغم أنني أؤكد أن الديوان يحتاج إلى دراسات أوسع وأشمل لأنه غني بالظواهر اللغوية والأدبية.

شاهد أيضاً

أمل نصر

روعة أن تكون مجنونا لبعض الوقت .. أمل نصر(1-2)

  امتلك جيرار جاروست شجاعة سرد سيرته الذاتية في أحاديثه ، تلك السيرة الغريبة التي …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية