مصطفى الجارحي: «خيالك سعيد».. رقصة شعرية على سجادة الحكي

مصطفى السيد سمير

 

انقطاع يبدو مدروسًا:

في السنوات الأخيرة؛ انقطعت تمامًا بقرار قصدي عن قراءة الكتابات الجديدة؛ شعرًا أو قصة أو رواية.. البعض يرى قراري خاطئًا بالتأكيد.. أظلم نفسي لأنني لا أتابع.. أظلم المبدعين بعدم قراءتهم.. وكلما جلست لمبدع من هؤلاء أعجب بطريقة تفكيره وبحديثه/ نظريًا.. وحين يمد يده بنسخة من كتابه أكاد أقول له «يا عزيزي أنت هكذا جميل من دون أن تعطيني كتابك».. لأن صدمةً ما، في الغالب الأعم، تضربني حين أجد البون شاسعًا بين ما يقوله وما يكتبه/ عمليًا.

مصطفى السيد سمير واحد ليس من هؤلاء.. جلست معه، تحدثنا، سمعت شعره وطرت به فرحًا.. وحين أهداني كتابه توجست خيفةً فقط من كلمة «حواديت» التي ترمي فيما ترمي إلى الحكي أي القص، بالأحرى إلى الكتابة القصصية، فيما هو من دقائقَ قليلةٍ أبهرني بشلالات من شعره.. ومن ثم نحّيتُ الكتاب جانبًا في بادىء الأمر اتقاءً لصدمة جديدة تفقدني صديقًا جديدًا.

ثم مؤخرًا توقفت عند عنوان «خيالك سعيد»، وتداعت أمامي عبارات ورؤى شعرية كتبتها منذ مدة، وأنا في هم الكتابة عن الخيال، على شاكلة «حاسب.. مش هيَّ دي صناعة الخيال.. ولا هيَّ دي اللحظة المناسبة للمطاردة.. مش ضروري تستلف لغة المفاوز.. يكفي منديل ديدمونة».. أو «أوقات بيزهق من خياله فيحبسه.. وأوقات يطارد غزالة بقلب من غير طُعم.. وكل ما يروّح ينام.. يطوّح بعينه وردتين من شك.. وردة فـ غنوة شعبية والتانية فـ سلّم المترو».

وعدت إلى أفلام الأبيض والأسود.. إلى حوار يعتمد مفردات، على جمالها وأُلفتها ودفئها، لم تعد مستخدمةً الآن: «نهارك سعيد ــ ممنون ــ سعيدة ــ سعيدة مبارك… إلخ».

هذا الخيال المتدفق يؤسس لنصوص شعرية أقرب من التأسيس لنصوص قصصية، حتى لو صدقنا للحظات أن صديقي مصطفى السيد سمير أراد لحكاياته أن تتزيا برداءات القصة.

وكأن المشهد الكلاسيكي الخاص بالسينما الأمريكية يتجسد الآن: ثمة فتاة أوروبية بيضاء تقع في أسر قبيلة أفريقية، يُظهرها مخرج الفيلم بوصفها جماعة من آكلي البشر الهمجيين.. وفيما الطبول تدق والرماح مشرعة إلى السماء والأقدام تضرب الأرض والنار تتوهج أسفل قدر كبير انتظارًا لسلق الفتاة فى الماء المغلي؛ يتلقف المشهد مبدعان: شاعر وكاتب قصة.. وفيما يذهب الشاعر لوصف المشهد متوسلاً الرؤية الكونية والفلسفية والإنسانية، ولا مانع من مداعبة الأحاسيس واستدرار تعاطف المتلقي؛ راح كاتب القصة  يسرد تلك المشهدية ويحكي عنها بأقصر الطرق؛ معتمدًا التركيز على معاناة الفتاة وقلقها وانتظارها القاتل، وشغف المتفرجين وترقبهم.

هكذا يحسم كاتب القصة الأمر بأن يقول كل شىء، لكن المدهش أن يحسم الشاعر أيضًا الأمر دون أن يقول أى شىء.. هذا بالضبط ما أريد أن أتخذه تكئة تقول بأن الحواديت في «خيالك سعيد» تناولها الكاتب شعريًا لا قصصيًا.. يمكنك أن ترى إلى خيال يتوسل المجاز.. يمكنك أن ترى إلى جمل قصيرة موشاة بإيقاعات وموسيقى وإن بدت غير خليلية.. يمكنك وهو الأهم أن تقف على رؤية هي من المنتوج الشعري لا القصصي في تنقل سريع متلاحق متدفق طازج في الغالب الأعم.. فيه النفس الشعري هو السيد.. أمرٌ يعيدنا بطبيعة الحال إلى «الجمل البطلة» و«الجمل السنّيدة».. فثمة جملة مضيئة يسعى المبدع دائمًا للوصول إليها.. وفي سبيله إلى ذلك يسوق مجموعة من الجمل تخدّم عليها؛ جمل كومبارس؛ تمهِّد لها، أو تعقب عليها.. لتظهر الجملة التي هي «بيت القصيد»، قل إذا شئت «مربط الفرس».. جملة يسعى إليها كاتب القصة كثيرًا في السرد.. لكنها تتوالد وتتناسل وتتدفق لدى الشاعر بدرجة شديدة التكثيف.. لا تعطي القارىء فرصة لالتقاط الأنفاس.. وهي هنا تسيطر على أجواء الكتابة بما يشبه الأميبا الحية إذا جاز التعبير.

 

 

اللغة ليست عجزًا وإنما عكاز:

كيف كان ذلك؟ وحدها اللغة تقرب المسافات.. تلك إذن مطية أخرى يستخدمها مصطفى السيد سمير.. ينتصر للغة تليق بموضوعاته.. لا تكون معطّلة.. إن مفردتين فقط اعتمدهما العم الأكبر لرد الاعتبار للعامية في مقابل اللغة الرسمية (الفصحى).. حين سربهما فى مقطعين بإحدى رواياته الشعرية الشهيرة.. يقول في الأول: «ما تقولولنا يا مسلمين…» ثم: «إن يكن كل كلام بتعابير العوام…».

واللغة فى «خيالك سعيد» كانت طيعةّ لدرجة الإقناع.. رشيقة محببة إلى الأذن.. تشبه إذن، أستطيع القول، هذه الحواديت الشعرية حتى وإن كان الإيقاع بمعناه المعروف يتأخر خطوتين.

من المهم كذلك القول بأن اللغة في «خيالك سعيد» تحمل بالنسبة لي تلك البراءة.. براءة الكتابة.. فجُل ما يهتم به كاتب القصة هو القبض على لحظة القص، وأن يبدو محايدًا قدر الإمكان، سيما إذا توارى خلف قناع الراوي ومن ثم يبدو غير متدخل في الأحداث.. فيما يحتفي الشاعر بالجوهر.. ولا سبيل لذلك في نظره غير التشبث بنظرة الطفل حين يرى ويتذكر.. وبلغة طفلية حين يحكي بولع، ما يضفي على الكتابة حس البراءة.. ونحن ميالون، أو هكذا أظن وليس كل ظني إثمًا، لهذا الأسلوب كما نشعر اليوم تجاه ذلك النوع من الكتابة.. كتابة تبدو عفويةً.. تحيلنا إلى استمتاع ناتج عن استمتاع الكاتب نفسه وهو يكتب.. هو يكتب مأخوذًا بالتداعي.. ومعظم الشعر يستريح للتداعي.. هو يكتب مستلبًا للاكتشاف.. يكتشف فقط وهو فى حال الكتابة.. لا شيء مخطط له سلفًا.. معد مسبقًا.. فقط رؤية عامة تستهدف الجوهر.. تضبط الإطار فيما التفاصيل والحبكة كلها متروكة لشغف الاكتشاف لحظةً بلحظة.

هل رد قائل بأن هناك كتابات قصصية وروائية مفعمة بأجواء الخيال والفانتازيا وربما الغرائبية؟ نعم صحيح؛ وأزيد إن من أروع كتابات القطب الأكبر محيي الدين بن عربي كان فصلاً بعنوان «الخيال».. لكن لا الرواية الغرائبية ولا الخيال لدى «ابن عربي» هو خيال الشعر المصفى الذي نتذوقه هنا والآن في «خيالك سعيد».

خيالك سعيد

شاهد أيضاً

هفاف ميهوب

رواية البحث عن حب قديم بحرفٍ ونقطةٍ وزمنٍ مضى .. هفاف ميهوب

  (امرأة بنقطة واحدة) رواية وارد بدر السالم   «كانت لعبة ممتعة تتكرّر في الحديقة.. …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية