مشوار يومي.. نادية شكري

نادية شكري

عندما يبدأ الترام في الدوران، تستعد هي للنزول، تمسك بعامود المعدن وتقبض بيدها الأخرى الشنطة القماش.. بضع خطوات تسير متبسمة.. ومع انحناءة الشارع الضيق يتضح المشهد اليومي أمامها.

تعبر الشارع وتتجه إلى حيث جلستها اليومية في عين الساعة.. تفض القرطاس الورقي وتنثر ما به من حبات القمح والأرز فتتجمع أسراب العصافير، تحوم فوقها وحولها، تتمايل جَزْلى وهي تتناول طعامها.

تتعالى صوصواتها في فرح جماعي ممتن.. تتكئ المرأة إلى ظهر الشاهد الجيري.. تفتح زجاجة الماء وتسكب منه في وعاء صغير تجلبه معها كل يوم، يحط السرب متماوجًا يرتوي.. تنفض يدها وتتجه برأسها ناحية الراقد تحت الثرى تحدثه:

“اليوم جوعى أكثر من الأمس.. ربما بشائر قدوم الشتاء”.

كادت أن تهنئه بقدوم الفصل الجديد، لفّت الشال الصوفي حول رقبتها وكتفيها واستعدت لحوارها اليومي مع الراحل:

“الولد الكبير لا تعجبني أحواله منذ مدة.. دائما يلتحف الصمت.. ادعي له يقبلونه في الوظيفة الجديدة. أحفادك حلوين.. لا أراهم كثيرا كالسابق، نقلوا إلى مكان يبعد عني كثيرًا لكنه قريب من عمل زوج ابنتك.. أسمع صوتهم وأطمئن عليهم على فترات.. إصرارك على تركيب التليفون أحس فوائده كل يوم.. وأدعي لك.. وأستعجل اللقاء.. أمضي الأيام والشهور دون أن يدق أحد على الباب”.

كادت أن تخبره أنها ما عادت تتناول الدواء.. لكنها تراجعت، لمت أشياءها وتأهبت للعودة زافرةً تنهيدةً يومية وكأنها إقرار بالأمر الواقع.

كانت إحدى جاراتها لا تزال ترقب العجوز منذ خرجت من دارها.. تستغرب خروج العجوز اليومي وعودتها قبيل توقيع قرص الشمس في دفتر بدء تباشير المساء.. فبادرت بالتسلل خلفها متسترة تبعد عنها بضع خطوات لتعرف أين تذهب كل ظهيرة بدلاً من التخمينات الضبابية مع بقية الجارات.. جففت دمعاتها إثر اكتشافها الصادم لسرّ الخروج اليومي لجارتها الوحيدة العجوز.. اقتربت منها وبلا سبب مفهوم قبَّلتها من الوجنتين وأمسكت بيدها في حنوٍ وقالت لها:

“تعيشي وتفتكري يا حبيبتي”.. ثم أجهشت بالبكاء.

واتجهتا ناحية الترام تجففان دمعتين مختلفتين وسط انشغال العجوز بأفكارها.

شاهد أيضاً

وديع أزمانو

هذا قلبي .. وديع أزمانو

  لا أبكي ولكنها دماءٌ صعدت إلى عينيّ فابيضَّتِ الرؤيا وتساقطَ مطرٌ كثيفٌ من كتفِ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية