مشهد مسرحي: ضياع، ثقة، وجواب .. محمد نفاع

محمد نفاع

 

قال لي بالأمس، وأنا أحييه بعدما مر من أمامي، عندما كان عائدا من عمله:

ـ شوف أقدور، أنا راني عييت.

وانصرف.

لم أسأله ماذا يعني، ولا ما يريد؛ ولكني تساءلت في قرارة نفسي عن هذا الغضب الذي يحفه ويقلقه، لأني لم أعهد فيه هكذا حالة.

ربما يمر بضائقة مالية، وربما لديه مشاكل فوق طاقته لم يعد يتحمل أعباءها.. قلت.

لم أكمل بعد تخميناتي.. حتى عاد وجلس بجانبي وبدأ يبكي وقال:

ـ شفت، أنا راني عييت ولكن أنت تتساءل، علاش؟ أنا غاد نعاود ليك.

قال كل شيء.. لم يستثن شيئًا منذ الولادة إلى اللحظة التي جلس فيها بجانبي.

حال هذا الشخص غريب ككثير من الناس، فمنذ أن عرفته وهو يكد من أجل قوت يومه. لم يمل يومًا ولا كل، لكنه اليوم تعب، وها هو يريد أن يشكي، وربما يبكي.. لأنه متوتر جدًا وعلامات الاكتئاب تظهر عليه بشكل بائن جدًا .

قال لي بعد تردد طويل:

ـ لم أقل لك كل شيء رغم كل ما حكيت لك. أنا لست سعيدًا واخا كنبان ليك كنضحك بزافر، راه في قلبي آلام لا أستطيع حكيها لأي أحد، ولكن اليوم قررت أن أحكيها لك.. عرفت علاش؟ حيت أنت عزيز عليا وكنثيق فيك وكنعرفك راجل، وكتحافظ عل الأسرار ديال الناس.

أتعرف أني منذ ولجت هذا الحي، وأنا لست مرتاحًا. كنت دائمًا أنتظرهم يأتون لاعتقالي. كذلك نظرات الناس نحوي كانت تخيفني، ترهبني حد الموت. أعاني منها أكثر مما سأعاني عندما يعتقلوني.. إلى اليوم الذي تعرفت فيه عليك.. أنت الوحيد الذي ارتحت له من دون كل هؤلاء السكان البلداء.. واخا كنت كنشوفك ديما سكران وكتغوت وكتسب كلشي، كنت كنرتاح ليك. لم تكن تخيفني، بالعكس كنت أقول دائمًا: هذا هو الشخص الذي لا بد أن يكون صديقي وعلبة أسراري. وهأنذا اليوم أؤكد لك ذلك هو أنك فعلاً.. علبة أسراري.

أنت صديقي. لا.. أنت أخي الذي لم تلده أمي.. أنا راه مسميتيش خالد، أنا سميتي العسكري، حيت كنت عسكري في حياتي. منذ أن توفي الوالد وبقيت مع ستة من إخوتي بدون معيل، خرجت الشارع ألتقط العيش من كل مكان وبأي طريقة. سماوني العسكري، حيت ديما كنت كنلبس حوايج العسكر. أبي كان جنديًا.. جنديًا استبسل في الدفاع عن الوطن وعن الأمة، لكنه عندما مات، مات منسيًا. وحتى نحن لم يهتم بحالنا أحد.. من حينها نقمت على الحياة وما يأتي منها. الحياة لم تعد تهمني، ما عاد يهمني هو الضياع من أجل عيش كريم.

شفت شحال أنا غريب.. ضياع (وعيش كريم).. واش عمرك شفت شي واحد ضايع من أجل عيش كريم؟

ربما يمكن! حيت عل الأقل ما كيحكم فيا حتى واحد، وكنكل اللي بغيت، وكنعس فين ما بغيت، وندير اللي بغيت في الوقت اللي بغيت أنا ماشي الآخر.

ما بقاش بغا يسكت، حتى طلبت منه أن يرتاح بعضا من الوقت بعد أن قدمت له رشفة شاي (لأنه تعب وقد ينهار في أي لحظة).

قال لي: علاش أخوي بغيتني نسكت؟ طلعت ليك في الراس؟ ولا حيت أنا ثقت فيك، وبغيت نعاو ليك كلشي.. وشد على رأسه بقوة ربما من شدة الألم الذي يعتصره، فخفت عليه ولم أتركه يكمل احتجاجه لأوضح له لماذا أردته أن يصمت؟

صرخ هذه المرة في وجهي بكل قوة ووقف يريد الانصراف:

ـ الذنب ذنبي.. أنا اللي ظنيتك خوي.. الساعة كلكم بحال بحال أكحل الراس.

لم أتركه يغادر وهو على تلك الحال، وطلبت منه بعد اعتذاري أن يكمل كلامه وعاهدته ألا أقاطعه. أشرقت من عينيه فرحة مشمسة. ابتسم وقال:

ـ معمرني حسيت بقيمتي إلا الآن معاك انت. أنت رائع.. معمر شي واحد تصنت لي. كلشي كان كينهرني. كلشي كان كيبداني من سباطي؛ حتى سخطت على كلشي. أنا راني علبة سوداء ديال أمة. عرفت شحال عندي ديال الأفكار ف هاذ الراس؟ اللي لو فركَعوه يجبدوا منو العجب. كون غير كان غير البعض منهم بحالك.. وراه ما يمكنش يكونوا كلشي بحالك.

سأقول لك: شفتي هذاك مول الفيلا الحمرا، هذاك راه بزناس وكلشي كيعرفوا بزناس ولكن حتى واحد مكيقدر يهضر معاه حيت شاري السوق كلشي كيكل معاه وحتى واحد ما يقدر يهضر.. حيت ف كرشهم لعجينة.

وهذيك الطونبيل اللي خرجات كحلة بحال ايامي. شفت اللي راكبة فيها. غير البارح جات من العروبية. هي كيف شفت زوينة، بذاك الزين باش قدرات تبيع كلشي وخدات كلشي وولات من سيدات المجتمع.

وشوف على حالة لهيه.. شوف ها الفيلا الحمرا، ها الفيلا الباطو، ها الفيلا الدلفين الأبيض؛ ولكن شوف آش حداهم؟ البرارك.. واو عل فرق!

ولكن السؤال المطروح، شكون ابدع هاذ الإبداع الجميل؟ الفيلا بجنب البراكة والبراكة بجنب العمارة والعمارة كَدامها حفرة والحفرة سرقوا ليها لغطا ولكن واحد لعجب، هو واحد الكافلة ديال الشبان اللي معولين عليهم يهزوا لعلام ويزيدوا بنا الكَدام كيف كَالت الفنانة ديالنا الحاجة الحمداوية، هازين البيارق نسيت الريات ديال فرق وطنية ودولية وكيغوتوا ويتراشقون بالأحجار. هرسوا الطوبيسات والسيارات والديور ديال الناس واللي كيثير الانتباه ، هو سراولهم طايحة والميكات ديال السلسيون في يديهم وشحال من واحد مقرقب.

سألني: كتعرف القرقوبي بعدا؟ حكَا نسيت حتى انت راك كنت كتبات في الشارع ش وقت ولكن أنت قاري وفاهم. واخا ما استفدت والو، المهم راك عايش واخا في الظل.

لحظة عم صمت غريب؛ كأني للتو خرجت من مشهد مسرحي تراجيدي.. نظرت إليه.. وجدته قد مال وراء، ونام.

* الدار البيضاء ـ المغرب.

شاهد أيضاً

سيد أبو ليلة

العزا .. سيد أبو ليلة

  مشهد مسرحي رجلان يجلسان في سرادق للعزاء.. والصمت يعم – هي الساعة كام؟ = …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية