مسافر تحت لظى ليل كئيب .. محمد نفاع

محمد نفاع

 

لم أكن أدري أنها ستكون آخر مرة أراها فيها.. لقد غادرت رفقة نساء القرية التي ذهبنا لزيارتها ولربط أواصر المودة، والوطنية، والإخلاص معها.

نساء تلك القرية كن رقيقات معنا، مضيفات جيدات، مليئات بالكرم.. رحبن بنا كثيرًا خاصة عندما علمت أن زوجتي أستاذة ومربية أجيال، وأنهن يمكنهن الاستفادة من خبرتها في تربية وتعليم أبنائهن.

تعبت جدًا وأنا أحاول الانفلات من قبضة «موحا» الذي ألح عليّ للبقاء معه، والمبيت وأبناء القبيلة تلك الليلة.

ـ وا سعيد… واش أنت باقي ناعس ولا أنت ميت؟!

لم يزرني النوم تلك الليلة. شيء ما يشوش على ذهني دون أن أعرف مصدره.

سحاب كثيف، ورياح قوية تنذر بقدوم المطر. الأودية المحيطة بالقرية.. خرير مياهها كأنه في حرب مع الصخر المترامي على جنباته.

شدو السنونو، عواء الذئاب، نباح كلب «مدام جاك» العليل الذي لا يخيف حتى فأرًا !كل هذه الأصوات لا تعلو على صوت أمي «همو» الذي يملأ الفضاء ألمًا ونواحا.

لقد نأيت كثيرًا عن القرية. والعودة إليها يتطلب مسير يوم على الأقدام بين الجبال والأشجار. وإذا سقطت الأمطار فربما أموت غرقًا أو أموت بشدة البرد.. وليس لي من زاد إلا حب، وقوة صبر على اللقاء.

كانت تقول لي دائما: «حاول ألا تتركني يومًا وحيدة؛ خاصة مع الغرباء».. يا ليتني ما سمعت تلك الأغنية البليدة.. في لحظة سكر خائب! يا ليتني مرضت كي لا أستطيع الابتعاد عنها!

ـ وا سعيد.. واش أنت باقي ناعس ولا ميِّت؟

لم أشعر يومًا بالسعادة حين يجن الليل ويرخي ستائره لينام!
الكوابيس التي تملأ جوانبه تكدر صفاء خلوتي. النجوم المتلألئة التي تضيء تخومه وفجاجه حزينة جدًا. لا أحد يهتم بجمالها. السكارى، والعربيدون، واللصوص، وبنات الليل، والبدون، والمسرنمون والمسافرون، دائمًا لا يهتمون لحزن الليل والنجوم في الليالي الماطرة.. هؤلاء البلداء دائمًا يكدرون صفاء الليل وهدوءه.

لماذا لا نحيا بالليل ونشتغل بالنهار؟

ـ وا سعيد.. واش انت باقي ناعس ولا ميِّت؟

العتمة عمياء.. ولا أحد يمكنه معرفة المسالك الآمنة لوعورتها!
هل قدر علينا أن نستمر هكذا؟ ولماذا؟ لماذا الأسئلة الكبيرة دائمًا.. تخيفنا؟

انحنى الطفل الصغير جهة اليسار لأن اليمين كثيرًا ما خذله. يتساءل دائمًا: هل صاحب السيجارة الكوبية حلٌ لمشاكله؟ هل يستطيع أن يجيبه عن أسئلته وهو لا ينظر نحوه إلا من تحت نظارته الأمريكية السوداء؟
الأحياء التي كانت تجمعه مع أصدقائه القدامى هدمت ورحل سكانها إلى غيتوهات بعيدًا عن المدينة الغول، الدار البيضاء التي بلا أبواب ولا منافذ للوقاية.

تعثرت «همو» وكادت تسقط وهي تشير نحو الخراب الذي حل ببيتها الذي ولدت فيه وترعرعت.

قالت لي: «انظر إلى الخراب الذي أصاب المدينة من فرط الإهمال وعدم الاكتراث بالمصائب التي بدأت صغيرة جدًا قبل مائة عام. انظر إلى حيث تقبع تلك الشجرة المسكينة التي كانت غطاءً لنا.. وملاذًا لجوعنا.. لقد بقيت وحيدةً بلا غطاء يقيها ولا مياه تسقيها.. فلمن ستهدي حنانها ثانية؟ لقد كان الناس متحابين ومتعاونين فيما بينهم؛ لكن ما الذي حصل يا صاح حتى تنقلب المدينة إلى ما عليه من خراب وحزن وآلام وكأن حروب التتار قد عادت ثانية؟!».

«يا ليت الليل يعود ثانية».. صاح الرجل القابع على باب القرية.
القرية بلا أبواب.. بيوتها مفتوحة على الفراغ ومن الفراغ يأتيها الفرح.. وكذلك يأتيها الغضب. فكثيرًا ما لا تسقط الأمطار، فيهاجر سكانها نحو المدينة حيث الضياع والبؤس والموت وكثير من المال والضياع.

كانت عارية من الأشجار. بقايا هياكل ميتة لأناس لا يضحكون. عيونهم إلى السماء وقليلاً ما يرمشون، وإن كان ذلك في لحظات قليلة، فإما بسبب ذبابة جائعة تبحث في أجسادهم الميتة عن ترياق لحياتهم المسمومة، أو في البحث عن بقايا سيجارة رديئة مرمية على جانب الطريق المؤدية إلى الخراب.

«لقد مات أبي».. يصيح شيخ ويجري في اللاتجاه.. خرجت القبيلة وراءه تندب حظها العاثر لموت شيخ القبيلة وحاميها كما يعتقدون.

لماذا سرق ولد العتروس أرض «همو» وابنها المعطي؟ لماذا هاجرت «همو» وابنها المعطي إلى المدينة؟

* الجديدة ـ المغرب.

شاهد أيضاً

سهام محمد

من حديثٍ ممتد مع صديقي الذئب .. سهام محمد

  «ماذا يفعلُ الذئبُ إذا أمسكَ به الرَّاعِي؟» أتساءَل. «يذهب معه لعدِّ غنماتِه» يجيبُ صديقي …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية