مريم .. شعبان المنفلوطى

شعبان المنفلوطى

الحر يصب جام غضبه على منازل القرية؛ المارة تبتلعهم أفواه البيوت، مئذنة الجامع تدعوهم للصلاة يخرجون فرادى يتدافعون بكسل إلى المسجد، بتؤدة يصعد الشيخ إمام المنبر، وهو يتهدج ويبرطم بأدعية وعبارات غير مسموعة .

ـ السلام عليكم …

ردَّ البعض.. وشرع بمقدمة الصلاة الطويلة.. صوته الخشن لا يصل إليهم إلا فى صورة حشرجات.. تململ الحاضرون وعيونهم المجهدة، من حر الصيف، تقاوم باستماتة لتظل مفتوحة.

نسمات رطبة غسلت الوجوه فسقطت رؤوسهم على صدورهم، ومثل كل جمعة أسلم الشيخ إمام رموشه لبعضهما قبل أن يقول :

ـ أما بعد…

***

شخير البعض كان يغطى على حشرجات الشيخ. صراخ وعويل أيقظ النائمين، خرج المؤذن يستطلع الخبر ثم زعق :

ـ دخان فى بيت أم العز…

خرج مهرولاً، حافى القدمين.. تدافع العشرات خارجين من المسجد لتلبية النداء. تاركين الشيخ وحيدًا يزعق متوعدًا بالويل لكل عاصٍ.

انزلق بعضهم إلى البيوتات وخرجوا حاملين (الحلل والمواعين).. قفز البعض إلى المسرب للمعاونة فى إطفاء الحريق. وما كاد يصل شيخ البلد إلى دار أم العز حتى صدمته المفاجأة. البيت لا يحترق، وأم العز تتمرغ فى التراب وتحتفن منه على رأسها. وبجوارها بعض النسوة يقدمن لها المواساة .

ـ هو أنا عملت إيه بس يا ربى؟!

وراحت تلهب وركيها بأكفها صارخة. ومع كل صرخة يتدافع العشرات إلى المنزل. اقترب شيخ البلد منتفخًا كديك رومى يبرطم بوجهه الأحمر مستفسرًا..

ـ العجين باظ يا شيخ البلد، أكل العيال.

ـ لا حول ولا قوة إلا بالله .

وراح يضرب كفًا بكف. مصمصت النسوة شفاههن حسرةً، وضرب الرجال، الذين جلسوا فوق كومة من السباخ أمام الدار، كفًا بكف، لكزتها الجالسة جوارها:

ـ حد يخبز دقيق الفول يا بت الكلب؟ كنتى بعتيلى.

ـ العين بصيرة واليد قصيرة.

***

دخلت مريم وكشفت الغطاء من فوق “الماجور”. مدَّت يدها إلى العجين وما كادت ترفع يدها حتى تسرب من بين أصابعها كما يتسرب الماء. صرخت وبسرعة جاوبها الجميع.. التصق شيخ البلد بمريم من الخلف، متفرسًا فى العجين.. فمالت إليه هى الأخرى وبكل ما أوتيت من قوة ضربته بأكفها الملطخة بالعجين على صدره وهى تزعق وتولول.

ذكره بعض الخبثاء بصلاة ظهر الجمعة، وتغامز البعض، غسل شيخ البلد وجهه ويديه وهو يدارى خجلاً ثم اقترب مبتسمًا ابتسامة صفراء  طالبًا منها أن تفعل شيئًا.

ـ دقيق درا ..

أطلق بعض الصبية سيقانهم للريح وعادوا بالدقيق من بيت شيخ البلد. جلست مريم وأخذت “الماجور” بين رجليها فانكشف الثوب عن عودين مخروطين من المرمر. زعق أحد الجالسين فوق كومة السباخ:

ـ رجول دكة يا بووووى!

ـ ملبن.. هى.. هى

لوى البعض أعناقهم ناحية مئذنة الجامع. ثم إلى النهدين. لم تهتم مريم، وكلما انكشف الثوب أكثر حملقت العيون المتلصصة تبحلق شرهة. ألسنة اللهب تخرج من حنك الفرن تمسح الجانب العلوى بلسان النار فتكتسب مريم بعضًا من حمرتها، واتقد وجهها يكاد يبك منه الدم، لعق شيخ البلد شاربه ومريم تصرخ بأم العز:

ـ حطى الدقيق ولفى العجين يا بت الخايبة .

وراحت تخلط دقيق الذرة بالعجين وهى تهتز. يترجرج ثديها يبرز يكاد يندلق. العيون المتلصصة تنزلق من فوق النهدين المعروقين إلى أسفل الفخذ، الجالسون على كومة السباخ يفتحون أفواههم وقد تدلت رءوسهم على صدورهم.

***

تفشل مريم فى كبح جماح العيون المتلصصة التى تخترقها وتنزع الثوب من على الفخذين.. الشيخ إمام يزعق فيصل إليهم الصوت واهنًا ضعيفًا :

ـ غض البصر وكف الأذى و…

نهضت أم العز من جلستها بعد أن فطنت إلى مغزى الرجال الذين يلتهمون مريم بعيونهم. نظرت إلى شيخ البلد الذى قاربت حبتا عينيه على السقوط فى حجر مريم شبه العارى.

ـ الصلاة يا رجالة.

***

النيران المشتعلة بأجسادهم جعلت البعض يتحسس أسفله ودس بعضهم يده فى سيالته.. الحر الشديد جعلها تتأفف من حر النار تريد أن تنزع هدومها وتجذب فتحة الصدر لتتسع قليلاً. الشيخ إمام يزعق:

ـ نار يصلونها وبئس القرار .

زعق أحدهم:

ـ حد يطيق النار الوالعة يابوووووى.

ـ يا أخى عندك ولايا.

ـ ساعة واحدة معاها وعـ النار دوغرى.

نهضت مريم فالتصق الثوب بجسدها كاشفًا عن تفاصيل الجسد.. نظر أحدهم إلى الآخر وقد عوج الطاقية:

ـ هى.. هى.. هى.

ـ لم نفسك، ضهر الجمعة واقف. صلاة الجمعة يا أهل البلد.

***

جلست مريم أمام الفرن ووضعت أم العز قطعة من العجين على المطرحة وراحت تنطّقها لتفرش بها المطرحة، وتميل للأمام وتلقى العجين داخل الفرن. ومع كل محاولة يكاد يفر النهدان مع الخبز داخل الفرن.. ومع كل رمية تنخلع القلوب المتأوهة. تلتهمها نار الفرن وعيون الرجال المتقدة بالشهوة.

ـ احمى الفرن يا أم العز.

فتطعم أم العز الفرن بالوقيد، فيزداد اشتعالها وتخرج لسانها الطويل يمسح الجانب الأعلى.. استقبلت أم العز أول رغيف فاقتربت من شيخ البلد.

ـ خد دوق عمايل إيدين مريم .

طعم الخبز الساخن ولونه الوردى الذى اكتسب لونه لا من نار الفرن ولكن من خدى مريم فأصبح وجهه خليطًا من لون الورد وبياض اللبن.. الرجال الجالسون فوق كومة السباخ يحدقون بشراهة فى الرغيف الذى يلتهمه شيخ البلد وحيدًا.

ـ تسلم يدك يا مريم.

***

ترفع وجهها الملائكى، يسبقها نهداها العاريان وفخذاها المشتعلان بالنار والعرق:

ـ بالهنا يا شيخ البلد!

ينتبه إلى العيون المحدقة به بشراهة تفوق شراهته. ومع كل قضمة يسيل لعابهم يهطل يتلقفوه بأكمام ملابسهم وهم يتخيلونه فاغرًا فاه يلتهم مريم. يعاود المحاولة.. تجرأ أحدهم واقترب يتبعه الآخرون تحرَّج موقف شيخ البلد.

ـ دوق يا جدع.

ـ تسلم يدك يا مريم.

ـ أصيلة.. لولاها كان العجين باظ.

ـ آدى الحريم اللى تتقنى بصحيح.

ـ الحلاوة ما تطلع غير حلاوة.. يا بوووى.

دخلت أم العز إلى البيت وخرجت بطبق من الجبن القديم ووضعته جوار مريم والمشنة جوارها، وكلما أخرجت مريم رغيفًا امتدت إليه يد أحدهم.

***

عند الانتهاء من طبق الجبن كانت مريم قد نفضت يدها من الخبز، وعندما استدارت وجدت المشنة فارغة وأيدي الرجال تخطى الطبق وهم يحدقون فى النهدين والفخذين.. الأفواه الجائعة ما زالت مفتوحة. وهم ينقلون بصرهم بين المئذنة وطبق الجبن.. وجسد مريم.

شاهد أيضاً

رشيد بلفقيه

رجل آمن بظله .. رشيد بلفقيه

  «من أين يبدأ الطريق نحو الضياع؟ من السير إلى نهاية هذا الدرب شبه المعتم، …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية