مراجعة ومحاورة لرواية «عندما بكى نيتشه» .. رائدة نيروخ

رائدة نيروخ

 

يقول فريدريك نيتشه في كتابه (العلم المرح): «لا نسمع إلا الأسئلة التي نستطيع أن نجد لها أجوبة».

زوبعة من التساؤلات أثارتها رواية (عندما بكى نيتشه) للدكتور إرفين. د. يالوم، أسئلة لم تعد تكتفي بتلك الإجابات المعلبة الجاهزة التي تتصدى للحكم على نيتشه وفلسفته الجدلية التي أثارت استهجان الكثيرين. فكما قال نيتشه في كتابه (هكذا تكلم زرادشت): «كل من يفكر الناس به كثيرًا تحوم حوله الشبهات».

ماذا لو كنت في ضيافة نيتشه الآن، هل يمكنني أن أدفعه للكلام، ألم يصف نيتشه ذاك الحوار بقوله: «إنك تتساءل عن حديث لا يتم إخفاء شيء فيه اسمه الحقيقي الجحيم. أن يكشف المرء عن نفسه لشخص آخر هي مقدمة الخيانة والخيانة تجعل المرء مريضًا».

ومع ذلك فقد غامرت في أحلام يقظتي، لأحاكي حوارًا متخيلاً على ضوء رواية (عندما بكى نيتشه) لأرقب عن كثب أبطال الرواية: نيتشه، والدكتور جوزيف بريور، والفاتنة لو سالومي، وبيرثا، وسيجموند فرويد. بيد أن نفسي تهفو لمحادثة نيتشه دون غيره.

فها هي ذي البوابة الحديدية الصدئة في منزل الدكتور جوزيف بريور تهتز بعنف، فقد صفقها نيتشه بكل قوة (الإنسان المتفوق) الذي طالما صدع بذكره نبيه زرادشت. على الأريكة الجلدية ـ والتي لا أضمن بأي حال من الأحوال جودتها ـ مد نيتشه ساقيه، ورفع يده اليمنى ليمسد شاربيه اللذين يصلحان عشًا للطيور، تأملته طويلاً. ثم ناولته سوطًا. كيف لا؟! وهو القائل: لا تذهب إلى النساء إلا والسوط معك! لكنه لم يدرِ أن الزمن قد تغير. وأصبحت النساء يسخرن من سوطه ووصاياه الناقمة!

ارتفع صوتي متحدية إياه في سريّ: هاك سوطك يا نيتشه!

لنبدأ الآن، برفسور نيتشه، هل أزعجك ما كتبه عنك الدكتور (إرفين. د. يالوم) في روايته (عندما بكى نيتشه)؟ أرجوك خذ نفسًا عميقًا، استرخ.. أعلم جيدًا أنك متعب، وأن نوبات الشقيقة لا تفارقك مؤخرًا.

التفتَ إليّ نيتشه، ابتسم ابتسامة صفراء، وارتفع صوته الواهن الذي ما زال يتشبث ببقايا القوة وأجابني: لا شيء يدعو للانزعاج. فالرواية تبقى رواية، أي أنها جنس أدبي متخيل، وهي  رؤية الكاتب للأحداث التي أضفى عليها فلسفته، لا أخفيك، فقد أعجبت بقدرة الدكتور يالوم على ربط خيوط روايته، وكيف استطاع نسج رواية من شخصيات حقيقية ، لكنها لم تلتق في أرض الواقع، فلم تجمعني ـ كما تعرفين علاقة أو صلة مع الطبيب والمحلل النفسي الشهير دكتور جوزيف بريور، ولَم ألتق فرويد، رائد مدرسة التحليل النفسي، لا شك أن علاقتي بلو سالومي، تلك الشيطانة البغيضة، كانت علاقة حقيقية، لكن لم تطلب لو سالومي من الدكتور بريور أن يعالجني كما ورد في الرواية.

يبدو أن الدكتور يالوم يمتلك مخيلة أدبية خصبة، وقدرة متميزة في توظيف معرفته الطبية في علم النفس ومعرفته الفلسفية في كتاباته الروائية، فقد سمعت البعض يتحدثون عن روايته التي ترجمت مؤخرًا للغة العربية وحملت عنوان (علاج شوبنهاور)، إن لديه شغفًا بالكتابة عن الفلاسفة فيما أرى.

أطرقت أفكر، من أين أبدأ يا ترى؟ ماذا عن (كنس المدخنة) ذاك المصطلح الذي أطلقه الدكتور جوزيف بريور على عملية العلاج بالكلام. لنبدأ سيد نيتشه بتحرير أفكارك ومشاعرك من عالم اللاشعور وننطلق كما فعل معك دكتور جوزيف بريور في مناقشة بعض ما ورد في الرواية، وأقدر لك تعاونك فأنت من قلت:

ـ«إن قيام المرء بتحليل نفسيته ليست مهمة سهلة» ما مكمن صعوبة ذلك برفسور نيتشه؟

أجابني بصوت متهدج: الخوف من المواجهة. الخوف من الانفراد بالذات والكشف عن طبقاتها، فالإنسان في حقيقة الأمر ذوات متعددة، كتلة من التناقضات، يخاف من الوحدة حتى لا يواجه ذواته وتناقضاته.

قاطعته قائلة: تمامًا، الرعب الأكبر! يقول سوكوفليس: «العجائب كثيرة، وليس هناك ما هو أعجب من الإنسان».

فهذا كارل غوستاف يونغ يشير في كتابه (التنقيب في أغوار النفس) إلى الخوف من مواجهة الذات فيقول: (إن الانتقاص من قيمة النفس ومقاومة التنوير السيكولوجي قائمان إلى حد كبير على (الخوف المريع) من الاكتشافات التي قد تنجم عن التنقيب في أغوار الخافية.

كما يتحدث إريك فروم في كتابه (الإنسان من أجل ذاته) عن (رهاب الانفراد) وتخوفنا من الانفراد بذواتنا فيقول: «ألأننا نعتقد أننا سنكون في صحبة بالغة السوء؟ أعتقد أن الخوف من أن نكون وحيدين مع أنفسنا هو إلى حد ما شعور بالارتباك يقارب (الرعب) من رؤية شخص معروف وغريب في وقت واحد، فنخاف ونولي الأدبار، فنضيع بذلك فرصة الاستماع الى ذواتنا ونستمر في جهلنا لأنفسنا».

رفع نيتشه حاجبيه وقال: في حقيقة الأمر لم أسمع من قبل بيونغ وفروم!

فاستدركت: أعتذر منك، فقد كان الأولى أن أقدمهما لك، فهما من أشهر علماء النفس في القرن العشرين. وقد لمع نجمهما بعد رحيلك بعقود.

تابع نيتشه: أتعلمين ما هو دليل التحرر؟ ألا يشعر المرء بالخجل أمام نفسه. على كل حال على الإنسان أن يكون نفسه، أن يتقبل ذاته، أن يمتلك إرادة حرة، تدفعه ليبني مستقبله وأن يرضى بما أراد. وأن يتحمل المسؤولية الأخلاقية لأفعاله، لقد قلت يومًا (إن النمو هو مكافأة الألم) فنحن لا نتعلم إلا من الألم والمغامرة، لأن العيش بأمان خطر مميت، أي يجب أن يكون في داخل المرء فوضى وجنون مؤقت حتى يلد نجمًا راقصًا. على الإنسان أن يمتلك هدفًا يسعى له ومن لا يمتلك خطة حياته، فمعنى ذاك أن يترك وجوده يصبح صدفة. فلابد للإرادة القوية من هدف كبير. فليعش الإنسان عندما يعيش! إن الموت يفقد رعبه إذا مات المرء بعد أن يكون قد عاش حياته بالكامل، أما إذا لم يعش المرء في الزمن الملائم، عندها لا يستطيع أن يموت في الوقت المناسب. ابنِ نفسًا جديدة فوق رماد حياتك القديمة، فلكي يصبح الإنسان قويًا يجب أن يضرب أولاً بجذوره عميقًا في العدم ويتعلم كيف يواجه أقصى درجة من وحدته. هناك أمر آخر، إننا نخاف أن نمارس (تشريحًا أخلاقيًا) لذواتنا، لنكشف عن دوافعنا الحقيقية الخفية وراء تصرفاتنا التي ندعي دومًا أسبابًا ودوافع أخلاقية لها، بينما هي في حقيقة الأمر ليست سوى تمثيل لأنانيتنا! نحن لا نتصرف تصرفًا إلا إذا كان لنا من ورائه منفعة. يمكنك أن تقرئي كتاب مارك توين (ما الإنسان) إن أردت.

قاطعته بحماسة الطالبة المجدّة: لقد قرأته فعلاً، وفيه يقول: إن الإيمان بالله وحتى الموت في سبيل الوطن هناك من ورائهما منفعة ذاتية للشخص.

تسمرت عيناه على الساعة الرملية، التي طالما وصف الوجود بها، فالساعة الأبدية للوجود تقلب رأسًا على عقب مرارًا وتكرارًا في عود أبدي. وقال: لكن تذكري، أن على كل شخص أن يختار مقدار الحقيقة التي يمكنه أن يتحملها.

ولكن يا برفسور هل تجاهل بعض الأمور يعني انتفاءها من الوجود، بحجة أننا لا نحتمل ذلك المقدار الذي تحمله من الحقيقة؟! أليس علينا المواجهة مهما كانت الحقيقة؟!

أجابني بهدوء: الحقيقة هي أيضًا وهم! لكنه وهم لا يمكننا أن نعيش بدونه. اختاري معاركك، واعلمي أن أساس العيش بهناء هو أن تُخضعي أولاً ما هو ضروري لإرادتك ثم أن تحبي ما أخضعته.

أعتذر على مقاطعتك مرة أخرى يا برفسور لكن: هل تقصد بقولك «الحقيقة وهم» نسبية الحقيقة؟! ألا تجد أن هذه النسبية قد جعلت من حياتنا الحديثة (حياة سائلة) كما سماها زيجمونت باومان، حيث انعدمت المرجعيات الكبرى التي تحدد الحقائق وبات الإنسان مرجعية نفسه، يشكّل الحقائق وفق مصلحته! ولم يعد هناك أرض صلبة نقف عليها في نقاشاتنا، فالكل يصرخ بأن الحقيقة هي ملكه وهو مبدعها!

تنهد قائلاً: لابد أنك تعرفين موقفي من الإله!

التقت عيناي بعينيه الواهنتين، وأجبته: بالتأكيد برفسور نيتشه، أنت صاحب مقولة (موت الإله) لكن إذا لم يكن الإله موجودًا فكل شيء مباح!

اندفع بالإجابة: ليست الأكاذيب هي أعداء الحقيقة، بل القناعات. عندما ندرك سر هذه العبارة قد يتغير فهمك قليلاً، قناعة أن تخضعي لقوة كبرى وتتذللي لها طلبًا للعون، لن تحقق لك معنى وجودك الذي يجب أن يكون لغاية كبرى وهي تحقيق وجود الإنسان المتفوق أو الأسمى. إن مخاوف الموت والنسيان واللامعنى هي التي تغذي جذوة الإيمان.

أجبته: لكن هذا الإنسان المتفوق الذي وصفته لا يتورع عن إلقاء المقعدين والضعفاء إن وجدهم على طرف حفرة إن كانوا سيعقون سبيله! أي أخلاقية هذه! وأي إنسان أسمى سيكون في تحرير الوحش الكامن فينا! إذًا كل شيء مباح لديك! تمامًا كما في فلسفة إيفان كارامازووف التي حدثنا عنها دوستويفسكي.

التفت إلى الدكتور جوزيف بريور، فإذ به يقف قرب الأريكة، وفي خطوة حانية، يضع يده على كتف نيتشه ويقول:

برفسور نيتشه قد اخترت وحدتك لتكون إنسانًا متفوقًا، لكنك لم تحب ما اخترت لأنها تتنافى مع إنسانية الإنسان وميله للحب ومخالطة الآخرين. إن الجرح الذي أدمى قلبك وينزف بحب لو سالومي قد حولته إلى سخط وقنابل كراهية شعرية تقذف بها جنس النساء.

كيف للإنسان أن يحيا بدون حب؟ كيف له أن يعيش بدون أصدقاء! كيف للإنسان أن يتعالى على ضعفه وهو مكون أساسي من مكونات ذاته؟ أليس في البكاء والدموع راحة للقلوب المتعبة؟ لماذا علينا أن نكون (إنسانًا أعلى) أعلى على من؟ على إنسانيتنا؟! وماذا ينفعنا حين نتعالى عن طبيعتنا؟!

لا يا فريدريك نيتشه، فالنفس الإنسانية تميل إلى الضعف كما تميل إلى القوة، تحتاج إلى علانية الدمع كما تحتاج إلى كتمان الأسرار، يرنو المرء منا إلى صدر دافئ يحتوي هشاشة روحه كما يسعى ليقف صامدًا كالجبل أمام الغرباء.

نيتشه أنت رجل مفعم بالعاطفة، تتخذ من فلسفة القوة درعًا تحتمي به من رقة روحك. أتنسى يوم انتحبت حين رأيت الحوذي يجلد الحصان بالسوط! أتذكر الانهيار الذي أصابك حينها ودخلت على إثره مصحة الأمراض العقلية؟! هذا الخوف المحموم من الموت قبل أن نحيا حياتنا هو ما أشاطرك به يا فريدريك. عندها (بكى نيتشه) بكى فيلسوف القوة والإرادة الحرة والإنسان المتفوق. بكى دموع الاستسلام إقرارًا بضعفه البشري.

وددت لو طال حديثنا أكثر، مشاعر مضطربة نازعتني، لكن مما لا شك فيه، هو أنه فيلسوف قد سبق عصره وقد صدقت نبوءته حين قال إن كتبه ستقرأ وتفهم بعد مئات السنين.

لم أرغب أبدًا أن ينتهي هذا الحلم دون أن أرى أثرًا لتلك المرأة الفاتنة (لو سالومي) التي أسرت قلوب عدد من العلماء والشعراء والفلاسفة، وسقطوا صرعى عشقها. كانت لو سالومي تقف خلف الباب تتسمع لأحاديثنا، تناولت معطف الفرو، أصلحت قبعتها، أخذت رسالتها التي كتبتها في بداية الرواية إلى الدكتور جوزيف بريور حين طلبت منه في مساعدة نيتشه، بعد أن حطمت قلبه، وسحرت فلب الدكتور جوزيف بجاذبيتها وحذرته من أن مستقبل الفلسفة الألمانية في خطر. تناولت تلك الرسالة من بين حزمة أوراق تركها جوزيف على مكتبه. وانطلقت تبحث عن صيد جديد.ِ

 

نيتشه

شاهد أيضاً

فاطمة عبد الله

ومن العتاب ما أعجب .. فاطمة عبد الله

  من دخل القلب فهو آمن بروضٍ يتحرك بين أفنان مودته، ومُأمّنٌ على قلبٍ أسلم …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية