مراجعة لرواية «كافكا على الشاطيء» .. رائدة نيروخ

رائدة نيروخ

 

تحتسي القطة سانكا الكأس الخامسة من عصير التوت الأسود، ترتشف قليلاً منه محدقة بي، وأذنها تصغي لمعزوفة ضوء القمر. تخاطبني: ماذا ستكتبين الآن؟

حقًا يا قطتي لقد تأخرت كثيرًا في كتابة مراجعتي هذه، عشرة أيّام وأنا مستغرقة في التفكير. ماذا يمكنني أن أكتب عن كل ذلك الجنون المدهش الذي قرأته في (كافكا على الشاطيء)!

لنتفق أولاً: أنا أخاف من القطط! ولا يمكنني التواجد مع قطة في مكان واحد دون أن يسمع أهل الحي كل نغماتي الموسيقية المستغيثة! فكيف إذا كانت القطط سترافقني في روايتي هذه طيلة 600 صفحة!

إليكم الاعتراف الثاني: يجذبني الأدب الواقعي والوجودي. قضيت ساعات كثيرة برفقة روايات الحروب والتمييز العنصري. أسرني الأدب الروسي، الذي لم يتوان عن سبر أغوار النفس البشرية، وفي تسليطه الضوء على ذاك الجانب السوداوي منا. دام ذاك السحر حتى وجدت نفسي مأخوذة بسخرية كونديرا اللاذعة.

فكيف سأتقبل فكرة أن يأتي هاروكي موراكامي في روايته (كافكا على الشاطيء) ليسقط من السماء سمكًا أو علقًا!

لست من (الموراكاميات) ولا أعاني من (موراكامينا) أي لست ممن لديهن هوس بموراكامي. ولن أقف لأنتظر بطوابير تحتشد بآلاف المعجبين في انتظار روايته الجديدة!

فأين الخلل؟! هل هذا ينفي قيمة الرواية الفنية، أو ينتقص من إبداعها الأدبي؟

ليس هناك من خلل لنلقي حمولته على أحد ما، فرواية (كافكا على الشاطيء) تنتمي للمدرسة السريالية، حيث الدخول إلى عالم الغرابة، التي تهدف إلى بث الدهشة في نفس المتلقي، بعيدًا عن قوانين المنطق والعقلانية التي نعرفها، لتكون المصادفة هي العنصر الأقوى في نسيج بنائها الروائي. في حين تُعدّ هذه النقطة مقتلاً بحق الأصناف الأخرى من الأدب.

كل ما على القارئ أن يفعله عندما يقرّر خوض غمار قراءة رواية سريالية أن يتخفف من أثقال تفكيره المنطقي والعقلاني، وأن يسقط في ثقب الخيال بكل أطياف ألوانه، ليبحر في عوالم اللاواقعية، حيث تتكلم القطط وتتناسخ الأرواح وتمطر السماء سمكًا وتزور الأشباح أحبتها الأرضيين.

يقول النقاد عن الروايات السريالية: «لا ينتظر من القارئ فهمها من القراءة الأولى، بل لابد له من أن ينسى كل ما اكتسبه من ثقافته المصطنعة وينغمس مع السرياليين في حياتهم الداخلية».

في عوالم روايتنا هذه أشياء كثيرة مبهمة، من التكلف شرحها أو ليّ عنق النص لمحاولة تأويلها وتحميلها ما لا تحتمل من التفسيرات ـ كما حاولت طيلة تلك الأيام العشرة المنصرمة ـ وأنا أبحث عن رابط عجيب يجمع فصول الرواية.

تبادرت إلى ذهني تفسيرات لم تقل في غرابتها عن مجريات أحداث الرواية. في لقاء صحفي يصرّح هاروكي موراكامي بأنه لا يخطط لروايته، وهو مثل القارئ أثناء كتابتها لا يعرف نهاية روايته، ويترك للاوعيه حرية الانسياب على صفحات روايته. ثم تبدأ مرحلة التنقيح إذ يخص مسودة روايته بمراجعة تمتد لستة أشهر في بعض الأحيان، وبناء على كلامه فإن الغموض يكون مقصودًا بذاته حينها، فهو يخلق عالمًا خياليًا موازيًا لعالمنا.

يقول موراكامي: «هناك أشياء غريبة تحدث في العالم، ولا نعرف سببًا لها». وروايته ليست استثناء لتلك الغرابة!

لكن أيمكن لأي كان أن يسرد مئات الغرائب ثم يدّعي أنه قد كتب رواية سريالية؟!

تتجلى عبقرية موراكامي في قدرته الإبداعية على ربط خيوط قصصه الغرائبية بعضها ببعض، فهو يكتب كأنه يعزف بإيقاع؛ فكل حكاية تسلم القياد لأخرى في انسيابية مدهشة، فنراه يمزج غرائبيته الروائية مع تفاصيل الحياة اليومية، فالرواية متخمة بوصفات الطعام، ووصف مفصّل لملابس الفتى كافكا أو باقي شخصيات الرواية، وأسماء المقطوعات الموسيقية، وشرح وافٍ لمميزات كل طراز من السيارات التي يذكرها. هذه التفاصيل تولّد توليفة مميزة من واقعية خيالية أو من خيالية واقعية! لا نعرف إن كان علينا كقراء أن نقف على شاطيء الواقع في هذه الصفحة من روايته أم نبحر في محيط فنتازية خيال موراكامي!

 

المرأة والجنس

الرواية حافلة بمشاهد حميمية، تساءلت كثيرًا عن دورها في الرواية؟

يجيب موراكامي في حوار معه قائلاً:

«أعتقد أن الجنس هو فعل، نوع من الالتزام الروحي. إذا كان الجنس جيدًا، فسوف يبرأ جرحك، وسينتعش خيالك. فهو نوع من المرور إلى المنطقة العلوية، إلى مكان أفضل. وبهذا المعنى، فالنساء في رواياتي هن وسيطات ـ طلائع العالم المقبل، ولهذا السبب فهن دائمًا يأتين إلى بطل الرواية، وهو لا يذهب لهن».

وتمامًا هذا ما حدث مع الفتى (كافكا تامورا) الذي بقي عالقًا بين ماضيه ومخاوفه، ولم يتحرر منها إلا بعد أن أقام علاقة حميمية مع الآنسة الخمسينية (ساييكي)، وبعد أن غرق في أحلام إيروتيكية مع الآنسة ساييكي ابنة الخامسة عشر ربيعًا.

لم تكن المرأة ها هنا كائنًا قائمًا بذاته، بل مجرد وسيط. فالآنسة ساييكي لم تتغير حياتها إلا بعد أن فقدت حبيبها. المرأة في روايتنا هذه ظل شاحب فهل يمكن أن نصف موراكامي بأنه يتبنى موقفًا ذكوريًا ينتقص من المرأة، لتكون مجرد تكملة ثانوية لدور البطل؟! أم يمكننا القول: إن المرأة في الرواية تمثل الخلاص للبشرية من مآسيها، في اعتراف ضمني بمكانتها ودورها الفاعل في المجتمع؟ كل منا سيحكم على موقف موراكامي من المرأة انطلاقًا من مخزونه المعرفي، وخلفيته الأيديولوجية والعقائدية والاجتماعية. فالقارئ يعيد تشكيل النص وفق فهمه الخاص. وبذا نجد مواقف القراء متعددة، بل تكاد تكون متباينة من النص نفسه. فالنص متعدد تأويليًا بتعدد القراء.

نعود إلى توظيف هاروكي موراكامي للإيروتيكية في الرواية، فهل وُفقّ الكاتب في ذكره لهذه التفاصيل لينقل بطله إلى عالمه العلوي؟ أعتقد أن موراكامي قد بالغ كثيرًا في تفاصيله، فبطله سيصل إلى الفضاء الخارجي بمثل تلك التفاصيل الحميمية وليس لمجرد عوالم علوية!

 

ماضٍ وحاضر ومستقبل

ما بين هروب من الماضي ولعنته يمضي الفتى (كافكا تامورا) محاولاً التخلص من نبوءة أبيه (الأوديبية) لمصيره المحتوم، هروب مثقل بالذكريات. يعيش كافكا حاضره بين دفات الكتب ليرسم مستقبل أيامه من خبرات ماضي السالفين، فهل تفيده الكتب في التخلص من لعنته؟

كافكا الذي يحمل اسمه دلالة رمزية ميثولوجية لتعني الغراب الذي يرمز إلى الباحث عن الحكمة. فهل استطاع كافكا الوصول إليها؟!

نأتي الآن إلى العجوز (ناكاتا) ولا يسعني عند ذكر اسمه إلا أن أردد عبارته الشهيرة «أنا أحب الحنكليس». ناكاتا العجوز الذي فقد ذاكراته بعد أن لطمته المعلمة على وجهه، وهو في الغابة في أثناء الحرب العالمية الثانية، وقد عجز الأطباء عن كشف سر حادثة إغماء طلبة فصله الدراسي، واستبدت بهم الدهشة من الحالة التي آل إليها ناكاتا، إذ مُسحت ذاكرته، لتعود صفحة بيضاء، وينسى على إثر ذلك مهارة القراءة والكتابة. يمكننا القول إن ناكاتا رمز للإنسان المنبت عن ماضيه المتخفف من حمل الذكريات. يعيش الحاضر ولا يعني الماضي له شيئًا، كل همه من المستقبل ألا يقطع عنه المحافظ (م/ عو/ نة) كما يلفظها ناكاتا بمقاطع صوتية منفصلة، كأنه يخشى انقطاعها عنه، فالمعونة الاجتماعية هي التي تسد رمقه. هنا لنتوقف قليلاً معه، إن كان الماضي يشكل حملاً ثقيلاً، فإن التخفف منه سيشكل حملاً آخر، حيث تفقد فيه الهوية الذاتية المميزة للفرد، ويصبح حينها ظلاً لغيره، يفتقد لرأيه الشخصي ويردد ما يحبه الآخرون، ليكون الإنسان في ظل ذاك التخفف المطلق من مسؤولية الأنا عن ذاتها مجرد متلقٍ للمساعدات (الخارجية المتقطعة) كحال البلدان التي تفقد هويتها وخصوصيتها بعد الصدمات واللطمات، وتعيش على فتات المساعدات الدولية المشروطة!

نعود إلى ناكاتا الذي امتلك موهبة محادثة القطط وقتل (جون واكر) الأمريكي، فهل نتحدث هنا عن صراع ياباني أمريكي. صدمة ثقافية مثلاً؟ أم أننا نتكلف في التأويل؟ تصادفنا في الرواية أيقونة أمريكية أخرى ممثلة بشخصية (الكولونيل ساندرس) الشهير، مبتكر الوصفة السحرية لسلسلة مطاعم كنتاكي. يمد الكولونيل يد العون للشاب هوشينو، ويساعده على سرقة حجر المدخل من المعبد، والتغلب على مخاوفه من إتيان هذه الموبقة الدينية، فهل نحن أمام تبدل للقيم اليابانية بفعل الثقافة الأمريكية؟ وهل إغواء الجنرال لهوشينو، ليدفعه إلى إقامة علاقة مع فتاة الفلسفة المثيرة، هو رمز لأن التغيير الذي طال المجتمع الياباني امتد إلى منظومته الفلسفية أيضًا، وليس مجرد تأثر بمظاهر التغريب من اهتمام بموسيقاه وماركات ملابسه التجارية؟ هذا ما أذهب إليه وما يفسر لي وجود تلك النماذج.

 

«الذكريات تدفئك من الداخل، لكنها تمزقك أشلاءً أيضًا»

نأتي للآنسة (ساييكي) التي تمثل أنموذجًا مغرقًا في الماضي والذكريات، ولم تستطع أن تمضي إلى عالم النور، إلا بعد أن تخلصت من تعلقها المغرق بالماضي، حين أوصت أن تحرق مذكراتها.

تبدو الرواية زاخرة بالشخصيات الحائرة التي تبحث عن هويتها، كشخصية (أوشيما) المخنث، الفتاة الشاب التي تعيش في مرحلة تجاذب بين ماضيها كأنثى بيولوجية تفتقد لعلامات الأنوثة المميزة، وبين حاضرها المعاش كرجل في بنيتها النفسية، وترى أن النقص هو علامة جمال، تمامًا كمقطوعات شوبرت الناقصة في النعيم المفقود.

يقابلنا في الرواية نموذج آخر (هوشينو) الشاب المتجرد من فكرة الارتباطات الزمنية في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، فهو يعيش اللحظة الراهنة بدون أن يثقل كاهله بذكريات أو تطلعات، ليدرك أن هذه الحالة المعاشة هي حالة عدمية أيضًا، تفقد الحياة معناها، ويبدأ رحلة البحث عن معنى لحياته بعد لقائه بناكاتا، ويمضي معه في مغامراته الغرائبية، وتلعب مقطوعة (الأرشيدوق) لبيتهوفن بعزف فرقة ثلاثي المليون دولار دورًا محفّزًا في تغيير ذائقته الفنية، ونظرته للحياة. وعندما نتأمل تلك المقطوعة، نجد ما يشبه الحوار الموسيقي بين البيانو والوتريات، حيث يطغى في الحركة الموسيقية الأولى صوت البيانو حينًا والأصل أن يكون هناك تناغم في أصوات الآلات الموسيقية، وفي الحركة الثانية تكون الموسيقى سريعة وخفيفة ومرحة، وبعدها يكون هناك تباين وبطء ليعبر عن تباريح الهوى، وكأن هذه المقطوعة في تباينها الإيقاعي تمثل الانتقال الزمني بين ثقل وطأة الماضي الذي نحيا بسببه في حالة من عدم الاتزان الحاضر، إذ تعلو أصوات ذكرياته، وبين خفة الأمل والتلهف لاستشراف المستقبل.

 

هل السريالية تغني أن يكون للرواية مغزى؟

يقول موراكامي في الصفحة ما قبل الأخيرة من روايته: «يثقل عليك الزمن كحلم غامض، وتستمر أنت في التحرك محاولاً اختراقه، ولكن حتى لو ذهبت إلى آخر الأرض، فلن تتمكن من الفرار منه، عليك أن تذهب إلى هناك ـ إلى حافة العالم. هناك ما لن يمكنك فعله ما لم تذهب إلى هناك».

فالزمن وصراع الإنسان معه، متنقلاً بين دائرة الجبرية والإرادة الحرة ـ إن وجدت ـ لا تتحقق إلا عبر رحلة مضنية في البحث عن الهوية بين تلك الدوائر وإعادة تشكيلها، هو ما كانت تهدف إليه رحلة (كافكا على الشاطيء) الغرائبية.

عزيزي القارئ إن لم تكن تمتلك جرأة الرقص مع الجنون الغرائبي فأنصحك بتجنب قراءة هذه الرواية، وإن كنت تتوقع شيئًا وعظيًا مباشرًا فلن تجده، لكني أضمن لك أن تخرج بثقافة موسيقية جيدة، واقتباسات لعدد من الفلاسفة أوردها موراكامي حتى بت أشك بنيته الاستعراضية. وستخرج حتمًا بتجربة قرائية لا تشبه غيرها. فعوالم موراكامي الروائية لابد فيها من القطط والموسيقى والكثير من الجنون.

 

كافكا على الشاطيء

شاهد أيضاً

فاطمة عبد الله

مقام الالتباس والتجلي في «سيد بغداد» .. فاطمة عبد الله

  في رواية تعد سِفرًا لطائر سمندل يخرج من جحيم الحرب والاحتلال والاغتراب، وعبر مغامرة …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية