مراجعة لرواية «شمس بيضاء باردة» لكفى الزعبي .. رائدة نيروخ

رائدة نيروخ

 

لماذا تتفشى السوداوية بين المثقفين؟

 

«لا أحب القراءة، بل إنني لم أقرأ في حياتي مرغمة إلا الكتب المدرسية، مع ذلك أحترم الذين يقرأون فهم ( يعقّدون) الحياة على نحو  جميل، على نحو  سُر.. ها قد نسيت الكلمة ثانية، فأكملتها سُريالي».

لا تختلف إجابة صديقتي المقربة، كلما دعوتها إلى حضور لقاء لمناقشة كتاب، ما عما ورد في الاقتباس أعلاه من رواية «شمس بيضاء باردة». فهل حقًا هذا هو حال المثقفين؟ وما علاقة هذا الأمر برواية «شمس بيضاء باردة» المرشحة الآن لجائزة البوكر العربية؟

يقول الفيلسوف سينيكا القريب جدًا إلى قلبي: «إن ما يدفعنا إلى التألم والإحباط من الحياة هو التفاؤل المبالغ فيه تجاه الحياة والأشياء».

وأن ثمة بنية أساسية في قلب كل إحباط ناجمة عن تعارض أمنية مع واقع قاسٍ!

فكيف إن كانت هذه الأفكار التفاؤلية تخص رؤية الذات لنفسها؟ تعتقد أنها متميزة عمن حولها، وأن القراءة قد منحتها وعيًا يخوّل لها أن تستعلي عن هراء هذا العالم الذي يهدد تميزها! ذاك الغول الذي يوشك أن ينقض عليها، أليس من الأجدى أن تعتزل المجتمع؟ أن تكرس كل وقتها لالتهام الكتب ورثاء الذات التي لا يفهمها أحد؟ أم عليها أن تدير ظهرها للحياة وتضرب بتفاهتها عرض الحائط، فهذه الذات المميزة تستحق أن تكون خالقة لشرط وجودها الإنساني؟ لكن مهلاً.. لنتوقف قليلاً! ماذا لو لم تكن صورة الذات التي ترسمها لنفسها هي في أرض الواقع فعلاً مميزة؟ ولا تختلف في خستها أو دناءتها عن أي ذات أخرى؟

ماذا سيحدث حينها للأنا حين تصدم بذاتها الفعلية لا الموهومة؟ هل هناك إحباط أعظم من هذا؟ أي صدمة تلك التي جرتها علينا أفكارنا التفاؤلية تجاه أنفسنا؟!

بطل روايتنا (راعي) المثقل بصورة الأنا السامية، الأنا المستعلية على بخل والده وخسته المادية، تلك الأنا التي تعهدها راعي بالقراءة والأحلام الرومانسية حول الحب وسمو الروح، في مجتمع قروي بسيط غايته الكبرى أن ينمو أفراده في كنف العائلة ويصلون ويصومون دون أن يكلفوا أنفسهم عناء طرح الأسئلة الكبرى، تلك الأسئلة الوجودية حول الأنا، ولماذا وجدت؟ لا أحد في قريته يمتلك ترف التفكير في تلك المسائل، لا أحد يعاني مثله من ظمأ أنطولوجي (وجودي)!

يمكننا أن نرسم الصورة التي نشاء لأنفسنا، يمكننا أن ندعي أننا رسل عصر التنوير الجديد، بأننا مناصرو الحرية أو المرأة، بأننا أتقى من مشى فوق البسيطة. لكن كما تقول الفيلسوفة (جوديث بتلر) في كتابها القيم (الذات) تصف نفسها: «لا يمكن للمرء الإحالة إلى (أنا) إلا في علاقة مع (أنت). أي أن ذاتنا الحقيقية لا تظهر فعليًا إلا عندما تدخل معترك الحياة وتتفاعل مع المجتمع، فشرط وجود الأنا هو علاقتها بمن حولها.

قد نصاب بالدهشة من أنفسنا حين تتعارض أفكارنا ومبادئنا مع مغريات الحياة أو المصالح، قد تظهر (أنا) فينا لا نعرفها.. فالكل شريف حتى تظهر العاهرة.

وفِي روايتنا هذه قد ظهرت للبطل، لذاك الشاب القروي الوجودي، فجأة، تبخرت تلك المبادئ، تلاشت مع حمى الشهوة، لكن المفارقة، أن تلك المرأة لم تكن (عاهرة) فعلاً، بل كانت فتاة بلهاء، فتاة أقرب لأن تكون مصابة بتخلف عقلي. فأي صدمة قد أصابت صاحب المبادئ العظيمة، الذي كان يعيب على والده استغلاله المادي لثروة عائشة البلهاء، ليأتي راعي مستغلاً سذاجتها ويستجيب لرغبتها في ممارسة الحب معه. ويفض بكارتها، ويتسبب في موتها.

فأيهما الجلاد وأيهما الضحية؟

هل يمكن محاسبة الفتاة المتخلفة عقليًا بنفس مقدار محاسبة ذاك المثقف؟

يقال إن الحضيض لا قرار له. وما أن انحدر مثقفنا إلى الهاوية حتى مضى في انحداره محمّلاً السماء، والمجتمع، والكون، مسؤولية صدمته من ذاته! فأي مزحة قاسية هي الحياة بنظره!

يبدو أن بطلنا قد عانى مما أسمته جوديث بتلر بـ (عتمة المرء)، إذ تسأل  الأنا نفسها: من أنت؟ من هذا الـ (أنت) الذي يستوطن داخلي والذي لا أستطيع أن أستخلص نفسي منه. وما ينجم عن ذلك من تعنيف الأنا لذاتها، فكما قال نيتشه: «نحن لا نصبح واعين بأنفسنا إلا بعد أن تتعرض الأنا لأضرار معينة».

تعج الرواية بأسئلة وجودية كبرى، بعد أن تصاب الأنا بتلك الخيبة، وتحمل معها رمزية تتعدى ظاهر النص. فعائشة البلهاء قد ترمز للحياة، وما سقوط راعي بالرذيلة إلا تعبير عن سقوط الإنسان في امتحان الوجود الذي قد يبدو ساذجًا.

راعيـ الذي انشغل بالبحث عن معنى الحياة عوضًا عن ممارسة الحياة! واتخذ موقفًا سلبيًا، وغرق في تدمير الذات بالخمر والكسل، لم تشفع له ثقافته، ولا مئات الكتب التي قرأها في الخروج من شرنقة الماضي وخطيئته الأولى، بل مضى عمره يجتر ألمه.

دعونا نتوقف لحظة عند (راعي). فالرواية في تناص مع ملحمة جلجامش الباحث عن الخلود، وتحيل قصة راعي مع صديقه أحمد إلى قصة جلجامش مع أنكيدو. لكن وإن تشابهت نهاية أحمد مع نهاية أنكيدو بالموت، إلا أن نهج راعي في البحث عن الخلود لم يتعد مرحلة اجترار الماضي والتشبث باليأس، والنقمة على الحياة، والغرق في أحزان الأنا، فهو لم يقاتل مثل جلجامش، لم يتحدَ الآلهة إلا لفظًا. دون أن تعبر إرادته عن فعل مقاومة حقيقي .

وجودية راعي منعته من أن يتفاعل مع هموم مجتمعه السياسية والحياتية، لا مكان لديه للقضايا الكبرى، فنظره لا يتعدى أناه، إنسان مغرق بذاتيته، الكون كل الكون يتآمر عليه، وهو يقضي أيامه جائعًا ولا يحسن سوى شتم الحياة ولعنها، ولا يمتلك جرأة الانتحار ولا جرأة الإقبال على الحياة.

هل تعاني مجتمعاتنا أزمات وجودية؟

قد أتفهم تجاهل المجتمع لنماذج تماثل شخصية راعي الوجودي. فالوجودية جاءت لتجيب الأنا الحائرة عن معنى الوجود والحياة. ومجتمعاتنا لم تصل بعد لمرحلة (أن تحيا) حتى تفكر (بمعنى الحياة). تمضي الحياة بالكثيرين وهم يلهثون وراء تحصيل لقمة العيش، في ظل ظروف سياسية واقتصادية قاسية، أقل ما يمكن وصفها بأنها سلبت إنسانية الإنسان وحريته. لذا يرى الكثيرون أن تلك الأسئلة ترفٌ فكري. بينما يرد البعض أن هذه الظروف المجتمعية القاسية مدعاة للسؤال عن جدوى الوجود!

تعكس الرواية مواقف متعددة من الدين. فإن كان راعي ينفجر في نوبات غضب نحو السماء، ويسائلها عن معنى الوجود. فإن شخصية أحمد تمثل أنموذجًا للمثقف الوجودي الذي يرى أن حل مشاكل الإنسانية يكمن في تدخل الإله ليحد من الظلم والقهر والفقر. فهو يرى:

«أن المشكلة ليست في وجود الله، بل في غيابه.

فيسأله راعي: كيف تخشى أن يغتالك وأنت تعتقد أنه غائب؟

ـ ـتلك هي المشكلة ذلك بأنه سيغتالني بغيابه»!

يبدو أن البعض، كما يشير ميشيل فوكو، يعشق رمي حمولة الحياة على قوى غيبية أو على خرافات، ويهوى الارتماء في حضن النوم والكسل، «الشك المنهجي مودع داخل تلك الإرادة الخاصة بالصحوة والتي تعد في كل لحظة انتزاعًا إراديًا من إغراءات الجنون».

تمامًا، عندما يصر البعض على إلقاء مسؤولية القهر والفقر على السماء، فإنه يتملص من مساءلة الجهة المعنية. لأنه يخاف من تبعات المواجهة في الأرض. إذًا لا بأس بنفث نيران الغضب على السماء، ولينعم القادة بطول البقاء!

تحمل العتبة العنوانية في الرواية تضادًا لكل ما هو مألوف ومتعارف عليه. فالشمس بأشعتها الصفراء الحارة قد استعاض البطل عنها بشمس بيضاء باهتة باردة لا تبعث على الحياة، فكيف لمن ماتت في روحه جذوة الأمل أن يرى الحياة وجمالها؟!

إن كان جلجامش قد نال بركة الإله (شمش) في ملحمته، فإن بطلنا لم يجد من يباركه فكانت شمسه باردة ميتة.

يتصدر المكان في الرواية مشهد الأحداث. كعادة الروايات الروسية التي يبدو تأثر الكاتبة واضحًا بها. فغرفة البطل بلا نافذة، بما تحمله النافذة من دلالة التطلع للخارج، للمستقبل، للضياء، للأمل.

الغرفة الإسمنتية تشبه ذاته المنغلقة على نفسها، التي لا ترى إلا ما داخلها. وتأتي أصوات العجوز الميت الذي كان يسكن الغرفة قبل راعي، كصوت الضمير المتعفن الذي يذكره بدناءته.

في باقي الغرف، التي انتقل اليها راعي، لم تكن الغرف تطل إلا على خرابة أو على أنابيب الصرف الصحي. في انعكاس لنفسيته المتهالكة. التي مضت إلى (قبو) تسكنه عاهرة نشدانا لمتعة جنسية، على مرأى أطفالها! القبو ها هنا يعكس العوالم السفلية للذات، حيث تختبئ دناءاتها.

تمضي الرواية على نهج (الليالي البيضاء) لديستويفسكي في تقسيمها الفصول إلى ليالٍ ونهارات مرقمة. يتوقف القارئ مليًا وهو يتأمل هذا التشريح النفسي الذي يمارسه أبطال الرواية: هل حقًا ساعدتهم الكتب في فهم الحياة؟ أم لم تجعل من شمس حياتهم سوى شمس بيضاء باردة؟

 

شمس بيضاء باردة

شاهد أيضاً

فاطمة عبد الله

مقام الالتباس والتجلي في «سيد بغداد» .. فاطمة عبد الله

  في رواية تعد سِفرًا لطائر سمندل يخرج من جحيم الحرب والاحتلال والاغتراب، وعبر مغامرة …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية