مرآة القايد الأولى .. سيومي

سيومي خليل

جناح الحريم ملحق بدار القايد. يضم جواري مختلفات الشكل، منهن العبدية القصيرة المكتنزة ترابية البشرة ، ومنهن الدكالية الطويلة التي ببشرتها صفرة وبياض، ومنهن اللواتي أهدين له من قياد الشاوية والحوز وحمر، وهناك اثنتان أجنبيتان تشبهان قرص شمس لافحة قيل إنهن هديتان من سفيرين أجنبيين.

الجناح كبير مقسم إلى غرف محاطة بدرابزين دائري يرسم باحة دائرية واسعة، بُنيت وسطها نافورة وتوزعت على جوانبها الكثير من الأشجار والورود. كل غرف الجناح بأبواب من خشب الزان المنقوش والمزين بأقفال نحاسية كبيرة، غرف واسعة تضم أكثر من جارية، وبداخلها هناك مصاطب وغرف صغيرة خفية.

مسؤولية الجناح دائمًا ما تعطى لأقدم جارية بين الجواري؛ تلك التي تحمل اسمًا غريبًا دائمًا: الكهرمانة. إنها جنرالة الجناح، التي تعرف كل شيء يقع بين ساكناته، والتي تحدث بينهن حروبًا كلامية لا تتوقف، والتي تبادر إلى حل أي نزاع يظهر بينهن قبل أن يصل القايد، وهي من تأتي القايد كل مساء بمواصفات الجارية التي ستضيء ليلته؛ تنبه الكهرمانة القايد إلى أن الجارية الجديدة التي لم تتعد ستة عشر ربيعًا اكتمل جمالها وضياؤها  وبهاؤها وباتت مستعدة لمعانقة السرير بجنبه وإرضائه كما يشاء، تنبهه إلى ضرورة سماع صوتها وهي تغني العيوط، وضرورة التملي في جسدها وهي ترقص رقصات شعبية جبلية خالصة.

الكهرمانة هي مصفاة القايد وعينه النسائية، لا تقتصر مهمتها في تنقيح النساء اللواتي سيشرفن بدخولهن عند القايد، وسيعشن انتصار الدخول إلى غرفته، بل تتعداها إلى كونها العين التي لا تنام، والأذن التي تجمع كل ما تسمع لتنقلها للقايد كل مساء حين يشرب القهوة السوداء الممزوجة بأعشاب تقوية الجنس، واللسان الذي ينشر كل ما يريد القايد نشره.

منى الكهرمانة هو رضى القايد. لقد أحبته حين كانت شابة، حين جاءت أول مرة مقيدة اليد بين نساء سبين من «حركة» قام بها القايد الشاب حينها على بعض «الدواير السايبة». أعجب بها وكانت أول سبية تلحق به إلى الفراش. مذ تلك الليلة أدمنت حبه. القياد لا يحبون، بل يفضلون جارية عن أخرى، ويمكنهم أن يفضلنها على زوجاتهن الحرات المصونات. إذا كانت الكهرمانة مرآة القايد النسائية؛ فهو بالنسبة لها الشعاع الرجولي الذي يضيء حياتها، هو الرجل الحاكم الذي تستظل بظله، وهو العشيق القديم الذي تفتخر أنها أول من علمته قانون الأنس والقصاير، بل هي من فضت بكارته حين كان بريئًا لا يفهم في النساء مثلما يفهم في الحروب والسياسة.

الكهرمانة لم تكن ترى أنها عبدة أخرى من عبدات القايد، إنها الممثل الرئيسي لجانب القايد الأنثوي في الحكم، فإذا كان هو يحكم منطقة خارج الجناح، ويحكم الرجال الأشداء ويعفر أنوف أقواهم في التراب ويجدع أنوف الخائنين ويزيل الرؤوس عن رقاب  المتمردين، فهي تحكم منطقة الجناح، وتتحكم في تدبير هذه المملكة الصغيرة التي منحاها إياها القايد، وتقرب جارية عن أخرى، وتتحكم في مصائرهن كما تشاء.

كانت القوانين التي تسود بالجناح هي قوانين القايد، لكن الكهرمانة تضع قوانينها الخاصة، ويمكنها أن تخالف قوانين القايد الذي يبتسم كلما جاء بصاصوه يخبرونه بأن الكهرمانة فعلت هذا وهذا، وتجاوزت القانون الفلاني.

كان يعرف أن الكهرمانة فعلت ما كان يجب أن تفعله، ويتذكر حديثها الأخير معه في السرير حين قال لها بلغة القياد الجافة:

ـ لقد مللت جسدك ولن أعود إليه مرة أخرى.

الكهرمانة عرفت أن القايد وإن آثرها عن غيرها من باقي النساء فإنه سيأتي يومها الذي يمجها وينفرها فيه كأنها جثة مليئة بالبثور والندوب، لذا قالت له وهي تداعب شفتيه:

ـ كنت أعرف ذلك، ولن يزعجني أبدًا، فأنتم أمركم سيف على رقابنا، لكن لا ترمني في الجناح كي أموت فيه دون قيمة، اجعلني عليه المسؤولة.

يذكر القايد أن الكهرمانة حينها كانت تتحدث بأسلوب هادئ، أسلوب التي سيمنع عنها الفرح والمتعة، فبعد أن ينفرها القايد لن يطأها أحد ولن يحدثها غريب. نساء القايد حكر عليه، وإن لم يمسس واحدة أبدًا منذ جاءته هدية أو سبية فلا يمكنها أن تحتج أو تطالب بحقها. حين حرك القايد رأسه مبتسمًا اختفت الكهرمانة من على السرير ورأست جناح النساء.

كان أول شيء فعلته جريئًا وعنيفًا وضمن لها رئاسة جناح النساء بشكل دائم وبقوة، كما ضمن لها المهابة والخوف. فعل ظل يذكر بعد موتها لسنين، ثم تحول حين طوى الزمن الناس والأحداث إلى حدث ينسب للقايد نفسه، وبات الرواة بدل أن يقولوا لقد فعلت الكهرمانة كذا… يقولون لقد فعل القايد كذا. لقد ظهر هذا التحوير والتحويل مقبولاً، فكل الناس ينسون ولا يذكر إلا القادة والزعماء والأنبياء والدمويون والمحررون، ثم أنها كانت امرأة وهذا الأمر لوحده كان كفيلاً بأن يسقط اسمها عن الفعل.

بعد أيام من ترؤسها جناح النساء وغياب القايد التام عنها لاحظت أن بعض الرجال من عسس القايد وخدامه لا يحترمون الجناح، ويدخلون إليه مدعين أي سبب كان. كان العسس والخدام يعرفون أن نساء القايد نساء حرم على باقي الرجال، لكنهم كانوا يعرفون أن القايد لا  يذكر سبياته وسرياته ولا يهتم بأسمائهن، ومنهن اللواتي لم يلمسهن، لذا يخاتلون ويخادعون ويقيمون علاقات خفية بين النساء اللواتي لا يهتم بهن القايد.

الكهرمانة كي تكون رئيسة فعلية عليها أن تفعل فعلاً لا ينساه القايد. إن جرأة الفعل وعنفه كانا موجهين للقايد كأنها تقول له:

ـ هذا ما فعلته لأجلك.

عرفت أن عليها أن تخطط للفعل، تضرب بقوة، وتنفذ الحكم أمام ذهول الجميع، لذا اختارت أحد العسس ضعاف الهيئة وجميلها، اختارت أكثر العسس المتسللين للجناح جمالاً وضعفًا، بل تنبهت إلى أنه الأكثر عشقًا، فهو لم يكن يأتي لاهيًا ولا راغبًا في جسد إحدى المسبيات، بل كان يأتي لواحدة فقط، وأحيانًا يجلسان معًا في إحدى الفسحات الكثيرة والمظلمة بالجناح، متحدثين عشقًا لا يمسان بعضًا ولا يسرقان قبلاً. تحاشت الكهرمانة العسس الآخرين لقوتهم وصلافتهم خوفًا من أن تفشل خطتها.

في أحد المساءات اتجهت الكهرمانة صاخبة متعمدة إحداث رجة في الجناح جهة إحدى الفسحات المظلمة. صاحت في المسبية التي جالسها المسكين أن تدخل غرفتها، ثم مسكته وهي تصيح فيه بأنه خان القايد وأن موته سيكون بشعًا على يديه، وأمطرته بالكثير من التهديد حتى بدأ يسمع صوت احتكاك ركبتيه ودقات قلبه. كانت كل النساء بالجناح يشهدن ما يقع، وبعض العسس الذين علمت أنهم كانوا موجودين مع بعض محظيات القايد تسللوا سريعًا من الغرف، وشرعوا في تتبع ما يقع من وراء السور العالي الذي يحيط الجناح.

أخرجت الكهرمانة في سرعة سكينًا حادة…

قبل هذا المشهد:

حين أصابت الكهرمانة من المسكين خوفًا شديدًا وأفزعته بعقاب القايد قالت له:

ـ كي أجعل القايد يسامحك ستفرجنا فيه (ثم أشارت لما بين فخذيه) وسنرى إن كنت رجلاً بحق، إن كنت كذلك سامحناك ولم نبلغ القايد بل ونتدخل عنده ليسامحك إذا ما وصله الخبر من غيرنا، وإن لم تكن رجلاً ضحكنا عليك وسخرنا منك ولم نبلغ أيضًا القايد.

تردد في البداية.. لكن حين رأى عيني الكهرمانة تشعان بريقًا غريبًا فهم أنها جادة وأن لا منجاة له من هذه الأزمة غير المتوقعة غير تنفيذ ما قالت. لقد بدت جادة تمامًا حيث لا يمكن لأي شخص إلا أن يظن ذلك ويقتنع بأن ما تقوله هو ماستنفذه.

ما كان لأحد ليفكر في تلك الحركة غير المشهودة أبدًا، فلم يحدث مع آباء القايد وأجداده أن كان هناك مثل هذا العقاب، بل كان بعض القياد السابقين يتغاضون عن دخول العسس لجناح الحريم ويتساهلون مع مغامراتهم الجنسية به، وذلك لإيمانهم بأن للعسس دورًا في حمايتهم.

خلع المسكين جلبابه الخشن وسروالاً قندريسيًا أبيض متسخًا. قبل أن يظهر قضيب المسكين الخائف.. كانت الكهرمانة قد اقتربت أكثر بغنج لتوحي بأن اقترابها هو من أجل التأكد من حجم القضيب. ما إن سيظهره ماسكًا إياه حتى أخرجت الكهرمانة السكين الحاد بخفة وضربته بعنف ودون تردد وبسرعة جعلت الكثير ممن حضر المشهد لا يفهم ما وقع إلا متأخرًا.

لا أحد كان يتوقع حدثًا مثل هذا.

ومن هذا الذي كان ليتوقع وقوع مثل هذا الفعل؟

المشهد كان غريبًا:

قطعة من قضيب رجل على الأرض، والرجل ماسكًا ما تبقى من قضيبه وهو يصيح متألمًا ومتلويًا على الأرض والدماء لا تتوقف عن السيلان من مكان القطع الذي أحدثته الكهرمانة.

ستأمر الكهرمانة، بعد أن تيقنت أن المشهد شاهده الجميع وأنه لا شك وصل القايد، إحدى نساء الجناح بمعالجة المسكين. بعد دقائق من بدء المعالجة أتى القايد بحاشيته وقياد عساكره إلى الجناح. صمت كل شيء داخل الجناح واختفت نساؤه كأنهن غير موجودات. وقف على رأس المسكين وهو ما يزال ممسكًا ما تبقى من قضيبه. نظر إلى الكهرمانة التي وقفت دون أدنى خوف كأنها لم تقطع لرجل أغلى ما يملك. ابتسم في وجهها، ثم أمر من معه أن يخرجوا المسكين من الجناح، وأشار للكهرمانة برأسه راضيًا عن ما فعلته.

مذ هذا الحدث ستصير قوانين جناح النساء هي قوانين الكهرمانة، فرغم أن كل شيء للقايد إلا أن القايد نفسه يعلم أن الجناح بيد الكهرمانة آمن. سيرته كما شاءت، وتغاضت عن الكثير من مغامرات العسس خصوصًا أولئك الذين يعاملونها كما يعاملون القايد، والذين يبدون لها طقوس الطاعة والانحناء ويحترمونها. كلما عرفت بوجود أحد العسس في جناح الحريم مختليًا بسبية إلا وأحصت عدد انحناءاته لها حين تمر من أمامه، ومرات مساعدته لها، وكيف كان يوصل لها الأخبار التي تروج في خرجات القايد و«حركاته» ومواسم صيده، فإن أقنعها أنه خادم مطيع لها كما هو مطيع للقايد تركته دون أن تشعره أنها تعرف ما يفعل، وهو الآخر يفهم أنها تجازيه على تفانيه في خدمتها.

حين كبرت الكهرمانة ستوقع حياتها في رئاسة جناح النساء بفعل عنيف وجديد آخر. فعل مختلف لنفس الذنب. فهمت أن أيامها معدودة في الجناح، لقد تغير الزمن، وتغيرت الجواري، مات منهن الكثيرات وحضرت الكثيرات، ودخل الجناح جو مختلف. فكرت الكهرمانة بأن تاريخًا سيطوى وستظهر أخرى مكانها، لكنها كانت تريد أن تفعل فعلاً مختلفًا يجعلها تتفوق على كل من سيأتين بعدها.

تكرر نفس المشهد السابق.

اختارت أحد العسس ضعاف الهيئة وجميلي الشكل، والذي كانت تتركه يقوم بمغامراته الجنسية داخل الجناح دون عقاب. لقد كان خدومًا مطيعًا لها، وآمن أنه لن يتعرض لعقابها ما دامت راضية عن خدمته. لم يفكر المسكين أن الكهرمانة كالقايد لتخلد ذكرها بعد الموت لابد أن تفعل أكثر من فعل جريء.

ضبطته في غرفة إحدى جواري القايد اللواتي لم يمسسهن يومًا. جاءت به وسط الجناح مشهدة الجميع على فعله الآثم. هذه المرة لم تكن في حاجة لحمل سكين وإخفائها وتمثيل المشهد السابق، فلقد تم معرفة العقوبة ولم تعد أمرًا غير متوقع. وقفت أمامه ثم قالت له:

ـ لقد خنت القايد، وجزاء الخيانة قطع قضيبك، لكن لأنك خدمتني بصدق، فأنا أخيرك بين قطع القضيب أو قطع اللسان.

الكهرمانة كانت جادة، ولم يكن أحد ممن سمعوا كلامها ليشك في ما قالته. اختار المسكين قطع لسانه. وبنفس الخفة السابقة التي مرت عليها سنين قطعت الكهرمانة لسان المسكين.

هذا الفعل أيضًا سيخلد اسم الكهرمانة لسنين بعد موتها، لكنه مثل الفعل الأخير سينسب في الأخير للقايد وليس للكهرمانة، وسيصير القياد الذين سيأتون فيما بعد هم المسؤولون مسؤولية تامة على أجنحة النساء.

شاهد أيضاً

قيس عبد المغني

أؤدي في سبيل الحب صلاة وأغنية .. قيس عبد المغني

  وحين تصل إلى قبرك بسلام سيسألك كبار الموت عن سر مجيئك الباكر قل لهم: …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية