مذكرات «أبله» عن أيام يناير الأولى (3 – 3) .. وائل خورشيد

وائل خورشيد

 

داخل العنبر.. المكان عبارة عن غرفة مستطيلة، مضاءة بهذا النور الأصفر الكئيب، أسرَّة لها دورين متراصة على الجانبين، وعدد كبير من الشباب والرجال والأطفال منتشر بالداخل، وكنا نحشر جميعًا معًا.

بمجرد الدخول من الباب، تم تفتيشنا ذاتيًا، ودونّا بياناتنا الشخصية، مع ضابط أذكر أنه كان تابعًا لقطاع أمن الدولة حسب ما سمعت، كان طويلاً، جسده متناسق، ملامحه جامدة، مرتديًا معطفًا رماديًا طويلاً.. دونت المعلومات ودخلت.

ذهبت إلى من زاملتهم في العربة، مكثنا في الدور العلوي لأحد الأسرة في آخر الغرفة على اليمين، ولفت انتباهي طفل يذاكر، كان عمره آنذاك 16 عامًا، وكان يقول إنه كان عائدًا من درس أو شيء من هذا القبيل، واندهشت جدًا من قدرته على المذاكرة وسط هذا المناخ الغريب، يبدو أنه كان «أبله» مثلي.

ما زلت أنظر وأشاهد وأتعجب من المنظر. اللطيف أن كل من كانوا في المكان أكدوا لي أنهم جاؤوا إلى مكان التظاهرة مصادفة، لم أجد بينهم من يملك القليل من الشجاعة ليخبرني أنه جاء للتظاهر حقًا، ويبدو أن الخدعة التي قرروا روايتها حال استجوابهم، قد صدقوها.

في الداخل «السيجارة براجل» كما يقولون، وكانت الأزمة أنه خلال التفتيش، قد تم تحريز هذا المنتج المهم بالنسبة للكثيرين، ولكن هنا ظهرت شهامة العساكر، فقد اشتروا سجائر «سوبر» تلك الكليوباترا الطويلة لمن لا يعرفها، وحضر مندوب عن كل سرير، وأخذ أربع أو خمس سجائر، وكانت المجموعة كاملة بـ«تخمس» في السيجارة، وذلك تحت إشراف مسئول التموين، ولكن كانت هناك روح جميلة، وحالة تضامن وحب بين الموجودين، وكنت مستعدًا أن أمضي وقت أطول.

قضيت بالداخل بضع ساعات، وسط صياح وتهديدات من الضباط، وبعد قليل تجاسر البعض، أو أن الجوع أفقده الصبر واليقين، والقدرة على تنظيم عمليات المخ، وبدأوا الهتاف. عفوا.. لم يكن الهتاف «عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية.. كرامة إنسانية»، قد كان متعلقًا بالعيش فقط: «عايزين ناكل»، حقيقة هنا بدأت أشعر بالقلق، ليس لأن المصير سيسوء، ولكن لأن من بالخارج سيعلم أن وضعي ساء بالداخل من أجل الطعام، لحظات النضال التي أعيشها ستضيع في «شربة عدس».

الغريب، أنه بعد قليل، جاء الطعام، وقفنا طوابير، توجهنا للمكان، حصل كل واحد منا على طبق فيه شيء لزج، ورغيف خبز، عدنا للأسرة، وجدت الجميع يلتهم الوجبة بحفاوة، وأنا الأبله، أمي لم تدربني على هذه الأمور، لذا توقفت قليلاً، ثم حمّلت شبيه معتز إينو المسؤولية، بعد أن تأكدت أنه أكل وابتلع الطعام ولم يمت، وبدأت آكل قليلاً، وعرفت بعدها أنه عدس، لكن لم أفهم حتى اليوم لماذا كان لونه يميل للبني، وما تلك الكرات السوداء التي كانت تسبح بالداخل.

أمضنيا الوقت حتى المساء، وبين الفينة والأخرى، ينادوننا، نهب لكتابة بياناتنا، البعض بدأ يتعامل كأنه في منزله، وبدت الحياة عادية، كما لو أننا أسرة واحدة، البعض ذهب للحمام، وآخرون تجمعوا يتسامرون، وهكذا.

في لحظة ما.. سمعت اسمي، كانت الصدمة، أنا وسط ما لا يقل عن مائة فرد، مختفٍ قليلاً، إنما هذا الشخص جاء ليناديني أنا بالاسم. هل عرف أنني نزلت من بيتي فعلاً للتظاهر؟ هل تلك تذكرتي للذهاب بلا عودة؟ اقتربت منه، نظر لي: «إنت بتاع إمبابة؟»، أجبته نعم، فنادى شخصًا آخر، وطلب منا أن نسير خلفه. طريق الظلمات.

خرجنا معه بعد أن دونّا بياناتنا للمرة المائة، ومعه عساكر كانت تمسكنا، فدوَّنت بياناتي مرة أخرى، وأبلغ أحدهم أنني مفرج عنّي، وتحرك معي العسكري نحو غرفة قرب بوابة الخروج، لآخذ أماناتي، وكانت عبارة عن هاتفي المحمول، والكوفية، ولم أجدهما في البداية، ثم وجدتهما، وخرجت للشارع.

كان أول اتصال هاتفي لصديقي الذي رافقني إلى الميدان صباحًا، ولم أكن أعرف عنه شيئًا، وعرفت منه أنه نجح في العودة للمنزل منتظرًا إلقاء القبض عليه، ثم هاتفت أسرتي، ثم هاتفني أصدقاء ليأتوا إليّ، إلا أنني فضلت التحرك لا الانتظار.

المجموعة التي كانت بالداخل عرفت أنهم خرجوا جميعًا في صباح اليوم التالي، وكان هدف احتجازنا هو محاولة احتواء الوضع، وهو ما حدث مع آخرين في يوم 27 يناير أيضًا.

أنا خرجت من بوابات المعسكر بعد منتصف الليل وحيدًا، وفي جيبي 15 جنيهًا، وكوفية حول عنقي كنت قد غمستها بالخل مسبقًا، وشعر يشبه الفرو الهائش، ووجه شاحب، وسواد تحت عينيّ، لم أكن نفس الشخص الذي نزل من بيته صباحًا لكي يتظاهر، ولم أعد هذا الشخص مرة أخرى.

يوما 26 و27 يناير كانا جسرين عظيمين، المشاركون فيهما كان إيمانهم كبيرًا بالثورة، يومان كان الأمر فيهما ضبابيًا، لم يكن أحد على يقين بأن الأمر سينجح، ولكن الله يسّر للأمر سذَّجا أمثالي، أو مناضلين عرفناهم بعد ذلك، وهم يدفعون الأثمان في السجون الآن، حتى نجح هذا الجسر في الوصول ليوم 28 يناير.

لماذا أحكي الآن في الذكرى الثامنة؟ شعرت أنه تقرر بشكل ضمني أو مرتب أن تُغتال الذكرى، ولأن لا شيء يعود للوراء. أنا مثلاً بعد تلك الأحداث قرأت عن السياسة والعالم، بدأت الكتابة، ثم شاركت في أحد الأحزاب، ثم عملت في الصحافة، ولم أتوقف عن الكتابة منذ ذلك الحين، ولم أغير موقفي، ولم أعد لسابق عهدي.

من يعتقد أن المناخ الحالي هو عودة للوراء هو مخطئ تمامًا، لا شيء يعود، ربما طرقنا الدروب الخطأ، أو لم تسر التجربة في الطريق المرجو منها، ربما لم ينته الأمر بعدـ، وهو اعتقادي، لكن أبدًا لا تفكر أن مصر بعد 11 فبراير هي نفسها قبل 25 يناير، هناك شيء تغير في النفوس، وفي العقول، وهذا التغير لن يجدي معه «مبارك» آخر، ولا نفس الأسلوب القديم، والتوقعات بناءً على شخصية المصري القديمة جميعها ستكون خاطئة، لأن كل شيء تغير.

لأختم بشيء طريف، وهو أن أمي استمرت طوال شهور، وربما سنوات بعد 2011، مصدقة أنني لم أكن في طريقي للتظاهر.

كانت الرواية التي جهزتها للاستجواب، أنني قابلت أصدقائي وكنا في طريقنا للسينما سيرًا من جامعة القاهرة، حيث كان اليوم الأول لنا في إجازة نصف العام، وحينما وصلنا للتحرير وقفنا نشاهد ما يقال إنه ثورة، فتم اعتقالنا، وهي نفسها الرواية التي سردتُها على أمي، وصدقتها طويلاً، وهو ما يعني أنها كانت ستجدي نفعًا في التحقيقات.

 

معسكر الجبل الأحمر

شاهد أيضاً

حسن العاصي

الحريق الكبير.. المهمشون قادمون (2 ـ 2) .. حسن العاصي

  سوسيولوجيا الاختلاف إن الضغوط التي يلقيها المجتمع على أفراده وسياسات التهميش والإقصاء التي تمارس …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية