مذكرات «أبله» عن أيام يناير الأولى (2 – 3) .. وائل خورشيد

وائل خورشيد

 

كانت المرة الأولى لي التي أهتف فيها في المظاهرات يوم 26 يناير 2011 الساعة 3:10 دقائق عصرًا، عروق رقبتي انتفخت، وكنت مرتديًا الكوفية، ومندهشًا بالطبع، أشعر أنني أحد المجاميع في فيلم سينمائي، كل شيء من حولي مجرد ديكور، كأنما طفل صغير خرج لحياة جديدة فجأة، وفي تلك الأثناء وخلال اندهاشي وهتافي، فوجئت أن الأمن المركزي قد أحاط بنا من كل اتجاه، وأننا محاصرون.

كان صديقي بجواري، لكن يخشى الهتاف، لربما يضبط متلبسًا، نظرت حولي، رأيت الحصار، قلت له ببساطة: سأخبرك أمرًا لكن لا تنزعج.. أنظر حولك. كاد يسقط أرضًا، تابعت حديثي بأننا على كل حال سيتم اعتقالنا، لذا فلنهتف قليلاً.

العساكر كانوا يتحركون بتناغم غريب، يدفعوننا بالدروع، ثم يضربون بالعصي، ثم يتوقفون، ثم يدفعون، ثم يضربون ثم يتوقفون، ظلوا يدفعوننا نحو الحائط، وأنا لا يشغل بالي سوى الاندهاش، رأيت تلك المشاهد على الشاشات، ولكن لم أتصور أبدًا أن أكون هنا، بالداخل.

كان يوم الحشر، لم أكن منتبهًا، ولكن أظن أن عناية الله كانت معي لأنني أبله، وربما جئت إلى هنا بالخطأ، فما حدث أنني لم يمسني سوء، رغم كون عددنا صغيرًا جدًا، والضرب يأتي من كل اتجاه، وأصوات الصراخ كانت عالية، بينما أنا عيناي مفتوحتان بانتباه شديد، وأشاهد ما يحدث، أبله حقيقي!

انتهى هذا المشهد الدرامي الغريب دون تعرضي لإصابات، إلا أن «التشريفة» انعقدت، لكي نخرج عبرها «إلى المنزل يا ولاد الـ…» كما كان يصيح الضابط القصير وقتها، وأنا لم أرغب في الخروج حتى لا تنال مني خفوف هؤلاء العساكر، وهنا لا أسخر منهم، ولكن أقصد أن «أيديهم تقيلة»، وبعد قليل، اخترق هو نصف الدائرة التي كنا محتجزين فيها، واقترب مني، وأمسك بالجاكت الذي كنت أرتديه، فنظرت له نفس النظرة المندهشة، فاعتبرها هو تحديًا، فقال لي: «نازلين تعملوا مظاهرات يا ولاد الـ… تعالى»، وخرجت معه معززًا مكرمًا من بين التشريفة، وفجأة وقفت أمام ضابط كبير في الحجم والرتبة، وما زلت تحت قبضة الضابط القصير، فنظر لي وقال لهم «خدووووه»، وفجأة وجدت نفسي أطير من فوق الأرض، وما زلت مندهشًا، سبعة أو ثمانية رجال هرعوا نحوي لا أعرف من أين أتوا، ظلوا يدفعونني حتى سيارة الأمن المركزي، كان العسكري هناك يهم برفع يده لتسقط فوق رأسي، لكن ردي كان سريعًا «متتعبش نفسك أنا طالع».

المرة الأولى التي أكون فيها هنا، اندهاشي يزداد، أنا مقبل على المجهول، فيلم «الكرنك» يدور في رأسي، لا أفهم شيئًا، حياتي على المحك، وأنا ما زلت أبله، الكثيرون كانوا في الداخل، والأكثر في الطريق إلينا.

مدرعة الأمن المركزي تشبه علبة من الصفيح الصدئة، الجو العام قاتم، وجوه مذعورة، أحجامهم وأشكالهم مختلفة، وأبله مثلي في المكان، العدد يزداد، شبكة الهاتف المحمول ضعيفة للغاية، شباك صغير يطل على الشارع، نصفه مغلق بالدرفة، الهواء شحيح ومريض، أمسكت هاتفي المحمول هاتفت أحد أصدقائي، ثم أحد أقاربي، أخبرتهم بمكاني وما حدث، أكدت عليهم أن لا يخبر أحدهم أسرتي، وبعد انتهاء المكالمة مباشرة اتصلوا بهم.

حاولت الاتصال بصديقي الذي تاه مني وسط الأحداث، وكان هاتفه مغلقًا، ولكن عرفت بعد ذلك أنه كما انسل المرة الأولى حينما كنا عند مجمع التحرير، فقد نجح في المرة الثانية أيضًا في الفرار، وعاد لمنزله منتظرًا أن يتم استجوابي فأعترف عليه، فيلقون القبض عليه دون إيذاء أسرته.

بعد دقائق، أمي على الهاتف: أين أنت؟ أخبرتها أنني في مشوار وٍسأعود في المساء، لأفاجأ بصرخة اخترقت أذن من كانوا بجواري قبل أذني، وفهمت أنها تعرف كل شيء، فأخبرتها وانتهت المكالمة، ووردتني اتصالات من الأقارب، وأعطيت الهاتف لبعض الموجودين ليتواصلوا مع أقاربهم.

في الطريق إلى هناك، العدد كبير، الجو حار، أحدهم حاول الانتحار، العربة تهتز، الهواء يأتي على استحياء، حاولت التسلية بالحديث مع أحد الرفاق وكان يشبه «معتز إينو» لاعب النادي الأهلي وقتها، مزحنا قليلاً، اتفقت معهم على تحضير روايات مختلقة في حال تم استجوابنا هناك، لتكون الردود جاهزة منمقة، فيمكن أن تصدق، ولولا بلاهتي ورؤيتي للأمر بهذا الأسلوب السطحي المليء بأكشن الأفلام والمؤثرات الصوتية، لربما كنت شعرت بالذعر.

بعد حوالي ساعة، وصلنا إلى معسكر الأمن المركزي بمنطقة الجبل الأحمر بمدينة نصر، حيث مقر الاحتجاز، فتحت البوابات، دخلت السيارة، وقفت بالداخل، وكانت آخر مكالمة هاتفية إلى إحدى قريباتي، أخبرتها بالمكان الذي كان يعرفه أحدنا لأنه قضى فترة تدريبه هناك، ثم جمعوا هواتفنا المحمولة.

دخلنا معسكر الأمن المركزي بمنطقة الجبل الأحمر بمدينة نصر، بعد قليل، تحركت السيارة، عدّل السائق ظهرها أمام بوابة أحد العنابر، التشريفة كانت هناك تنتظرنا، نظرت عبر النافذة الصغيرة نحو أياديهم، قررت البقاء في الداخل، أحدهم أخبرنا ببعض التعليمات للتصدي للضربات، وكيفية الحركة، وأكد علينا أن لا نقع في الأرض. أنا المنهدش على أية حال قررت انتظارهم في الداخل ليأتوا ويأخذونني، فلن أتوجه نحوهم بإرادتي.

يبدو أن تلك الحركة كان غرضها الترويع، فبعد ذلك بقليل، تحركت السيارة، ووقفت في مكان آخر داخل المعسكر لما يقرب من 5 ساعات تقريبًا، وكنا جميعًا داخلها، ثار من ثار وهتف من هتف، وفي الأخير، نظمنا أنفسنا، وبدأنا في استخدام الملابس لعمل تيار هوائي، وانتظرنا، ثم انتظرنا، وكان الوضع فوضويًا جدًا في الداخل، وهناك أحدهم كان معنا بغرض الترويع، فوجوده غير متناغم تمامًا مع المجموعة الأخرى، فقد كان جميع من في الداخل يمكن أن تصبغهم بشكل سياسي، هو الوحيد الجنائي.

أثناء الانتظار، ومحاولات الانتحار، والأحاديث المتبادلة، قررت مجموعة أن تدق بقوة على الأبواب وتصرخ، ثم بدأ البعض في الهتاف، حتى وقف الأخ الجنائي: «اللي هسمع صوته… … …»، كان شكله مريبًا، ولم أفهم الغرض من وجوده هناك. على كلٍ، بعد مرور الساعات، قرروا فتح الأبواب، وأخبرونا أن من يريد الخروج يمكنه ذلك، طبعًا كنا سلمنا خطوط الهواتف والهواتف نفسها، وبطاقات تحقيق الهوية.

أنا، غير المنطقي، قررت البقاء بالداخل بعدما هدأ الوضع، وبقي معي «شبيه معتز إينو» وعدد آخر، تسامرنا بعض الوقت، ودخن سريًا من يدخن، حتى سمعت اسمي، دخلت العنبر، وخضعت للتفتيش، والآن رسميًا أنا محتجز للمرة الأولى في حياتي، والأخيرة أيضًا.

ثورة يناير

شاهد أيضاً

حسن العاصي

الحريق الكبير.. المهمشون قادمون (2 ـ 2) .. حسن العاصي

  سوسيولوجيا الاختلاف إن الضغوط التي يلقيها المجتمع على أفراده وسياسات التهميش والإقصاء التي تمارس …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية