مذكرات «أبله» عن أيام يناير الأولى (1 – 3) .. وائل خورشيد

وائل خورشيد

 

صغيرٌ.. أبلغ من العمر عشرين عامًا وعشرة أشهر، في السنة الرابعة من كلية الحقوق، وخلال امتحانات الفصل الدراسي الأول، اندلعت ثورة الخامس والعشرين من يناير.

صباح 25 يناير كنت في طريقي لجامعة القاهرة، حيث امتحان آخر مادة بالفصل الدراسي الأول، في البداية لم أجد أية تظاهرات، حتى مررت بشارع جامعة الدول العربية حوالي الثانية عصرًا، وجدت مجموعة قليلة ربما لا يتجاوز عددهم مائتي شخص، بدأت أشعر بالأمر، تحركت وسيلة المواصلات التي كنت أستقلها، حتى وصلت عند تقاطع شارعي البطل أحمد عبد العزيز مع جامعة الدول، ثم توقف السائق، لأن الطريق يملأه المتظاهرون.

نزلنا، أنا وصديق لي، ركضنا حتى الجامعة، لنلحق بالامتحان، شاهدت كل شيء، رأيت الناس، والشرطة، واللافتات، والهتافات، أشياء لم أرها سوى في الأفلام، حتى ذلك الحين كانت أقصى مشاركتي هي مشاركة الدعوة للتظاهر على حسابي على «فيسبوك» يوم 14 يناير على ما أذكر.

قررت أن أشارك حينما أنهي الامتحان، ولكن عقب خروجي من اللجنة لم أجد شيئًا، لا تظاهرات في طريق العودة للمنزل، ولا أعرف ما يحدث، واعتقدت مخطئًا أنه قد تم احتواء الأمر، وعدت للمنزل، وكنت متعبًا ونمت، وفي منتصف الليل استيقظت، بدأت أرى الصور وأقرأ الأخبار، وعلمت أن أبطالًا كانوا هناك، وما زالت نيران الحماس والغضب لم تنطفئ، ثم أرسل لي أحد الأصدقاء الفيديو الشهير للشاب الذي وقف أمام مدرعة الشرطة، وبدأت أقرأ وأشاهد، واتفقنا على المشاركة.

صباح اليوم التالي، 26 يناير، في العاشرة صباحًا، ادّعيت النوم حتى ذهبت أسرتي للعمل، ثم ارتديت ملابسي وقابلت صديقي، وقررنا الذهاب.. توجهنا نحو جامعة القاهرة، لأننا قرأنا أن تظاهرات ستخرج من هناك، وانتظرنا طويلاً ولم يحدث شيء، وعند الثانية ظهرًا قررنا التحرك، توجهنا سيرًا نحو ميدان التحرير، مرورًا  بكوبري الدقي وشارع التحرير، وعندما وصلنا عند كوبري قصر النيل لم نرَ سوى عساكر الأمن المركزي، أعداد ضخمة، ثم مدرعات كثيرة، ولا متظاهرين.. أين هم؟

تابعنا تحركنا حتى وصلنا إلى ميدان التحرير، حيث كان هناك مجموعة يمكن أن أصفها بـ«الفدائيين».. أعداد قليلة جدًا، لا تتجاوز العشرات، منتشرين في المكان، كلما قررت الوقوف جوارهم أتراجع، إما رهبة مني أو من صديقي.

في الساحة التي تقع أمام مجمع التحرير، توجهنا للجلوس، وهو أمر ممنوع، ولم نكن نعرف بالطبع سذاجةً منا. استوقفني ضابط، سألني: إلى أين أنت متجه؟ هدأت قليلاً، وقلت إلى مسرح السلام بشارع قصر العيني، بداعي حضوري بروفة مسرح، نظر لي ثم تركني أرحل، بينما تسلل صديقي وقتها بهدوء منسحبًا من المشهد بشكل منحه المرور بسلام.

دخلنا الشارع، ثم عدنا من الجهة الأخرى إلى الميدان، وتحديدًا عند محطة المترو التي تقع عند مدخل شارع طلعت حرب، حيث اندلعت هناك تظاهرة اعتراضًا على إغلاق بوابات محطة المترو.

الأمر بدا غريبًا ومدهشًا، وأنا كما ذكرت في العنوان «أبله» أتعامل مع حدث قد تكون نتيجته الموت، أو إصابات مستديمة، بشكل طفولي جدًا، لأن أكثر خبراتي عن ذلك الأمر كان من خلال الأفلام أو الفيديوهات. 

كنا نشاهد.. رأيت فتى صغيرًا يحمل في يده اليمنى «مصاصة» كبيرة كانت تباع في محلات التسالي، لم أفهم الغرض منها، وكان يلوّح ويصيح، ثم حدثت جلبة عند سلالم النزول للمترو بسبب إغلاق البوابات، حاول البعض كسرها، جاء ضابط، انفعل عليه الموظفون الراغبون في العودة إلى منازلهم، احتد الخلاف، انفعل ورحل، بعد دقائق، وقف أحدهم وصاح بصوت عالٍ «آآآآآآه» وصاح الجمع وراءه، وأنا فتحت فمي ووقفت أشاهد، لم أعتد بعد على ذلك النوع من الانفعالات، فقد كان آخر انفعالاتي وقتها على ما أذكر حينما خسرت جيم بلايستيشن. بعد دقائق وجدنا مجموعة من عساكر الأمن المركزي تهرول نحونا، كدنا نهرب أنا وصديقي، وكان عددنا هزيلاً، إلا أن ثبات البعض جعلهم يتراجعون وأبقانا.

بعد تراجعهم كانت الأصوات متداخلة، هتفت فتاة تحمس الشباب والرجال، وأنا وصديقي، حمل أحدهم آخر على كتفه وهتف: «يا جمال قول لأبوك.. الشعب المصري بيكرهوك»، وهتفنا، واندمجنا، كنت سعيدًا للغاية، وأنا أؤدي هذا الفيلم السينمائي بأمان، وكان المشهد مبهجًا للغاية، حتى حدثت المفاجأة.. حوصرنا.

 

ثورة يناير

شاهد أيضاً

حسن العاصي

الحريق الكبير.. المهمشون قادمون (2 ـ 2) .. حسن العاصي

  سوسيولوجيا الاختلاف إن الضغوط التي يلقيها المجتمع على أفراده وسياسات التهميش والإقصاء التي تمارس …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية