مديح الأقحوان .. عادل بلغيث

عادل بلغيث

 

في المزهرية

لا مكان للأقحوان

ولا كمانَ بقوسه هشّ النّسيمَ على رُباهْ

هو وحدة في كثرةٍ

ومحاولاتٌ في التمعّنِ

قد تراه دمًا لصبحٍ

شاك قلبَه غصنُ ضوءٍ في سماهْ

***

قد تُعِدّ له عيونًا

وانفعالاتٍ من الحبّ القديمِ

وتستعيد حبيبةً تسري كماءٍ

لا يراه الأقحوان ولا تراهْ

***

يَعُدُّ باتلّاته البيضاءَ

والصّفراء مثل الريش، لكنْ

لا يطيرُ سوى خيالُ القلبِ أو عصفورُ ذكرى.

واهجٌ، متواضعٌ

فلاّحُ نفسهِ، ابنُ لونهِ

لا به شوكٌ ولا ثمَرٌ

عقيمٌ كالكواكبِ

يشبه الأحزان تولد

دون مالٍ أو جمالٍ.. هكذا مثلَ المجرّة

***

هو ناسُ من لم يلقَ نفسه

في جموع الناسِ..

ينبت دون إذنٍ في كلامكَ

حين تشردُ فيهِ يعتزم اقتلاعكَ

ثم تُهدى مِن يَديْ حُزنٍ لآخرَ

(صرتَ زهرة)

***

إن نظرتَ إلى السّماءِ،

فقل لها: لولا التّشابهُ في النّجوم لما انفردتِ

وإنْ نظرتَ إلى التّرابِ

فقل له: لولا التكرّر في الآقاحي

ما عرفتُ الوقتَ فيكَ

وإن نظرتَ إلى الحياة

فقل لها: لولا التعاقبُ في الشّموس

لكنت أنتِ

***

أقحوانٌ مستمرّ

لا يبالي بالحياة ولا يبالي بالمماتِ

مُتعَبٌ مثلي

كثيفُ الشّرح مرتبك القوام

لأجل أن تضحي النسائم لحم آتِ.

بين عينيْ من أحبُّ أنا صفاتي أو صلاتي

لم أكن إلاّ الذي سيكون منّي أو معي:

ـ صاحب المعنى

ـ صديق الليل

ـ جار الوقتِ

جدُّ القلب منثورًا، ومنظومًا ومزهرّ الرّفاتِ

أقحوانٌ في بياتي..

كلما فتّحت عينيَ في الظّلام

وجدت روحيَ في الضّياءْ

ورأيت وجهي

يستريحُ على كراسيِّ الوجوه بلا انتظارٍ

هذا بيتي، تلو بيتي

هذا صوتي تلو صوتي

هذا موتي، نابض متناقضٌ

بين الكلام كأنني حيّ هناك

وما ادّعتهُ الريح أنّ اسمي

سيجلده الهبوب، بلا انتهاءْ

كيف أبدو في عيون الأقحوان

إذا انتهت عينيّ عنه؟

وكيف أطرق باب عطرهِ؟

كيف أكتب تحت زهره؟

كيف أنجو من سؤال قاتل: “أين السّماءْ”؟

 

حيلةُ القيثار

أنّ الصّوت يكبر، حين يُبقَرُ

حيلتي أنّي سأكتبُ، حين أذهبُ

ليس لي معنى

سوى خلط السحائب والطيور بمقعدي..

لا أرتدي

في الأبجدية غير ما فقدتْ يدي

وأفاوض المعنى على المبنى

كأن ترتاد شمسٌ أو جبالٌ أو خيال مرقدي

وأقول للصلوات:

رأسي هذا فأسي

أقطع الأحلام .. كي ينجو

أذيبُ الوقت في ألم.. لكي لا يصنعَ الدّناميت

أحفرني مرارًا.. ثم تنخفضُ الحياة.. لتصعدي

 

لا يفهم السّحريّ في بئري

سوى حبرٌ يقول لكلّ حبر من أنا

ولم ابتليتُ بقامة أفقيّة..

لا السّيف يطعن أحرفي الزرقاء

لا نزفيِ توقّف في المدى

ولم يحبّ الله صنعي من ترابٍ؟

ربّما حتّى أحسّ بنبضة ما، بعد قلبي

قبل غيبي..

أو أقيسَ بحافر الصّاروخ مزرعة اليتامى

لا فرق بين الأرض والأعلى

هناك يهوي الخالدون على الحياة

هنا يهبّ الميّتون على الخزامى

ربّما لم يبق أكثر

كي تحطّ الطائراتُ على اللغاتِ

وينجب المجهول مجهولاً

فتبتعدُ القيامة.

 

أقحوانٌ صامتٌ يأتي لعطر، ثم يرحلُ

بعد عام يستعيدُ حديقة قد ديس فيها

ليس يرحلُ..

ربما الحكّام قد فهموه أكثر

فاستمالوا الوحي في اللاوحي

ثمّ الوعي في اللاوعيَ

وامتصّوا لقاح الأرض في السّموات

فاشتدّ البقاءْ.

 

حيلةُ الشّعراء أنّ لهم طريقًا

بين موت النّاس والكلمات

ثمّ لهم حريقٌ فيه تنشبُ غابةٌ

والطّيرُ عدوى في العيون

إذا تراءت من بعيدٍ

فابتعدْ عنّي أرى ما قد ترى..

قد نلتقي في حقلنا اللغويّ

حين تقولُ ماءً.. قلتُ ماءْ

قد نلتقي في عطرنا المنسلّ

بين الجلدِ والبنزينِ في يوم حزينٍ

غائمٍ، هبْ أنّه الماضي الذي في ذهنه

الأمطار ما زالت دواة في العلاءْ

قد نلتقي في اليوم منذ اليوم

في نفس الحوادث..

باكيين على صباحِ الشام

موت العام..

مُنسلين من صدف النّصوص..

إلى النفوس.. ولا سبيلَ سوى التلألؤ في العراءْ..

 

من حيرة الشعراء، أو من حيلة البؤساءِ

أن الكلّ لا يُنهي نزالاً .. أو خيالاً.

يستوي في الخير عرشُ الشرّ

يضحي الحب خامَ الحقدِ

يروي اليأسُ رغم اليأس أرضَ المشتهى

فإلى لقاء أو وداعٍ آخر يا ذا اللّقاءْ

 

في باحة الأقدار

لستُ سوى .. انتقاد دائم

للموت بعد الموتِ

للأشعار بعد الفجرِ

للرايات بعد النصرِ

لي المرميُّ من غير ارتفاعٍ

هاربٌ من غير داعٍ

شاربٌ كأس المسير..

ومشعلٌ أعواد ظليَّ للظلامِ.

لا يُحفّزني الطريق.. فجانباه من الزهور من الديار.. من المحار.. يؤخراني..

 

أقحوان في كياني..

ليس يملك من تراب أو هواء.. غير نفسي

ليس يملك من ضياء.. غير فجرٍ في القصيدة.. أو شُقوق في الحبيبةِ

واحد في كثرة الأقفال.. في دوامة الأيدي البعيدة.. في عجاج الألف حزنٍ في الجريدَةِ..

***

أقحوان كالمكيدة..

تدمع الآلام.. والأنغام.. منه

ولا يغير.. طبعه الأدبي

لا ينسى انحلاله.. أو تلاله..

لا يرد تحية.. إلا بعطر..

لا يقاسمك الحروف

محايد..لا نار منه..

معاود.. لا ثأر منه..

نبينا اللوني .. يُشهدنا قيامات الربيع..

ويرتدي صمت المعاصي..

لا يحاسب وحدة.. عن وحدة

هو لا يقاسم عودة في وردة

 

 

إذ لا دليل على ذبوله في الأديم سوى رحيله

لا دليل على حروبه في الجبال.. سوى طيوبه

غارق دومًا.. ودوما ترتمي يده الوليدة للوئيدة دونما ملل.. ولا أزل تجيبه

 

* الجزائر.

شاهد أيضاً

ذكريات لا تسع لها روح واحدة .. ملاك جلال

  لقد متُّ قبل أن أصل إلى هذه اللحظة، متُّ كثيرًا مثلاً؛ في آخر ضحكةٍ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية