مدحت صفوت يرد على مصطفى الشيمي: درس في المجاز

تناول الروائي مصطفى الشيمي ديوان الشاعر عبد الرحمن مقلد «مساكين يعملون في البحر» في مقالة محفزة على الاشتباك والاختلاف.. فكتب الناقد مدحت صفوت مقالة موازية تناقش ما ورد بمقالة الشيمي.. متمنين أن تثير النصوص والتعليقات شهيتكم للمشاركة.

 

عبد الرحمن مقلد

في قضية المجاز والحقيقة، بات معروفًا أنّه من المستحيل عمليًا أن نشير على واقع محض دون أثر للمجاز، على النقيض تتجه الدراسات الألسنية والبلاغية الحديثة إلى القول بالتسليم بأصلية المجاز، في البدء كان المجاز، حتى في المستويات التداولية من اللغة. ما يعني أنه لا كتابة أدبية أو غير أدبية دون مجاز، وبالأحرى لا شعر دون مجاز.

إن حديث الروائي مصطفى الشيمي عن ديوان الشاعر عبد الرحمن مقلد «مساكين يعملون في البحر»، بالادعاء أن نصوص الديوان «خالية من المجاز» لهو حافز طيب لمناقشة المجاز في عموميته، والمجاز الشعري تحديدًا. ومؤكد أن الحديث عن ديوان «مساكين يعملون في البحر» من منطلق «رؤية تستمد من طاحونة الواقع التي لا تترك هذه الرفاهية لنا لتذوق الجمال»، هو وقوع في فخ اللغة في مستواها الأول، الأمر الذي لم ينج منه أغلب الصحافيين الذين كتبوا عن الديوان بوصفه «انحيازًا للبسطاء»، هذه القراءة التي لم تستطع سوى التعامل مع العناوين وبعض الجمل المتناثرة، فضلاً عن أنها طريقة مردها عقلية تتعامل مع النصوص الشعرية بوصفها حاملة معنى في المقام الأول، فلا بد إذن من قضية يعبر عنها الشعر، ولا بد من لافتات كبرى يرفعها الشاعر في حشد الجماهير.

والوقوع في الفخ السابق سبق أن سمّاه الشاعر محمود قرني في قراءته لذات الديوان «الترداد الببغائي لتعبير صحافي»، وإن لم أبرئ الشاعر في كونه سببًا في ذلك، مخاطرًا بالدخول في المغامرة بتصدير «المساكين» على غلاف الديوان.

ينطلق «الشيمي» في تعاطيه الانطباعي مع نصوص «مقلد» من «مضمون» بعض العبارات، قبض عليه بيديه هو، وأطر هذه العبارات في المضمون المشار إليه، وملخصه كراهية الشاعر للمجاز! أو تهميشه بتعبير الشيمي نفسه. وهنا مكمن الخلط والارتباك الجمالي والمعرفي معًا، فعبارة «أمّا المجاز فألقوه هذا الهلامي للحوت، لا وقت للأبهاء الذي يفتن القلب، أو يأخذ الرئتين بتنهيدة ويداوي الجروح»، يعتبرها الروائي مجافية للمجاز! المجاز الهلامي الذي يطالب الشاعر بإلقائه للحوت، والمجاز الهلامي الذي يتلبس طيف «يونان – يونس النبي»، يصير عند الشيمي عبارات خالية من المجاز! الأبهاء يأخذ الرئتين بتنهيدة، والأبهاء يداوي الجروح، تصدر عن ذات تكره المجاز ولا تألفه!

صديقي مصطفى الشيمي، أعتقد أنه لا بد أن يعيد علينا تعريفه للمجاز، حتى يتسنى لنا تحديد خلو ديوان ما منه، تقلص المساحات المجازية، بخاصة مع شعرية كنصوص «مساكين يعملون في البحر»، ولا أعرف كيف هانت عليه الكتابة ليقول بلغة أشبه باليقين عن لغة الديوان «مسلوبة المجاز»! أو أن التناص جاء محمولاً بدلالات النص القرآني فحسب! هنا أتذكر رؤية الروائي صبحي شحاتة للمساكين بين النص القرآني وبين ديوان مقلد، مساكين القرآن بلا صوت ومقهورون، أما مساكين مقلد فأصبحت القصيدة صوتهم والخطاب الشعري أداتهم لمقاومة القمع والقهر، ورؤية صبحي هنا مبنية على خبرته واطلاعه الكافي على النص القرآني ودلالاته، وليس فقط الاكتفاء بشهرة العبارة المنتزعة من سياقاتها.

لست مشغولاً بمقلد وديوانه، بقدر انزعاجي حقاً من ذلك «اليقين الهش» عن تأطير نصّ ما داخل تأويل ذاتي وخاص، وبعدها مساءلة النصّ بناءً على ذلك التأويل ونتائجه، أو أن تفترض أن الشاعر يتحدث عن الجماعة لا ذاته طالما استخدم ضمير الجماعة! والانطلاق من قاعدة ذاتية أن الشعر صوت الفرد، الحقيقة أن الإبداع برمته نزوع فردي، نزق ذاتي نحو الجمال، ورؤية خاصة جدًا للحقيقة والمجاز معًا.

إن التعاطي مع النصّ الشعري بناء على تصور لمعنى النص، وهو تصور افتراضي، وإسقاط هذا الافتراضي على البناء اللغوي القائم، هو نزوع ميتافيزيقي يستحق التفكيك والهدم المستمرين، وهما من المسائل المشروعة، وتتطلب هذه المشروعيّة التأكيد على خصوصيّة النّصّ، وخصوصيّة القراءة، لهذا لا بد أن تنبع «منهجيّة القراءة» من النّصّ ومن مصطلحاته وآلياته. استنادًا إلى المبدأ القائل بأن الأدب خيال أو كذب. فالشعر يحتفل بحريته من الإحالة الحرفية «التعبير الحقيقي في مقابل المجازيّ»، وهو واع بأن إبداعاته ذات أساس تخيلي لذلك هو لا يعاني مثلما تعاني النّصوص الأخرى من مشكلة الإحالة إلى خارج النّصّ، الأمر الذي انزلقت فيه قراءة مصطفى الشيمي، فلم تكن عين القراءة متراوحة بين الداخل والخارج، وإنما تشتت بصرها نحو الإحالة الخارجية.

ليست هذه كتابة دفاعية عن ديوان شعري، بقدر ما هي مناقشة طرح الشيمي ومساءلة رؤيته عن المجاز تحديدًا، مع الإقرار بحرية القارئ في إعادة كتابة النصّ كما يحلو له، فهو بطل هذا العصر الحر، وباتَ مفهومًا نظريًا أكثر منه واقعًا تجريبيًا وفعليًا، وغدا مرمى العمل الأدبي إحالة القارئ إلى منتج للنصّ لا متلقٍ استهلاكي وكفى، ولا يعني هذا إسقاط عامل مستوى الخبرة الجمالية والذائقة القرائية من المعادلة، فالقارئ مجموعة نصوص أيضًا، وهنا يتباين القراء بتباين مرجعيات نصوصهم، فضاء ترسم عليه اقتباسات تتألف منها الكتابة، ويصبح القارئ هنا هو أحد العيون في قراءة النّصّ. وعبره يقرأ النّصّ نصوصًا أخرى، فيتسع الحقل المتبادل بين النّصّ والحقول الأخرى، وبين القارئ وخبرته وبين القارئ وخبرة النّص.

عبد الرحمن مقلد

شاهد أيضاً

أمل نصر

روعة أن تكون مجنونا لبعض الوقت .. أمل نصر(1-2)

  امتلك جيرار جاروست شجاعة سرد سيرته الذاتية في أحاديثه ، تلك السيرة الغريبة التي …

تعليق واحد

  1. شكرا مصطفى الشيمي
    شكرا مدحت صفوت
    شكرا لعبد الرحمن مقلد ؛ الشاعر المحفز.
    لقد شوقني الناقدان لقراءة الديوان ، وأنَّى لي هو ههنا !!.
    لكني أحب أن أدلي بدلوي بغير شهوة للحديث ، لكن العمل دافع قوي لذلك.
    العبارة التي اتكأ عليها الناقدان كانت بحاجة إلى تحليل يوضح مكانها من المجاز ، إلى جانب ما اكتفى به الناقدان من تحديد رؤية الشاعر للمجاز، فاكتفيا بالدلالة القريبة ولم يكلفا نفسيهما عناء التحليل البلاغي (المجازي بالضرورة) للعبارة :
    «أمّا المجاز ؛ فألقوه – هذا الهلامي – للحوت، لا وقت للأبهاء الذي يفتن القلب، أو يأخذ الرئتين بتنهيدة ويداوي الجروح»
    العبارة قائمة على البناء التجاوزي ، فيها انزياح واضح عن الدلالات الحقيقية المباشرة أو حتى الحقائق اللغوية عميقة الصياغة .
    لقد حقق ما سماه الفارابي بالتجاوزية وتوغل فيها، فقد حول المجاز الذي هو كيان غير مادي، إلى كيان مادي فقولب المجاز واتخذ له شكلاً هلامياً، ثم توغل أكثر في رغبته التخلص منه بتوجيه الأمر إلى غيره بإلقائه للحوت، ويعلل هذا العداء بالاحتقان الزمني ، إذ لا وقت ، لكن لمن؟ للأبهاء وليس للمجاز، فالأبهاء هنا هو المعادل الموضوعي للمجاز، وهنا مناقضة لاتجاهه الأول الذي يرفض المجاز، بل يؤكد على أساليب عمل المجاز ودوره وهدفه بأنه “يفتن القلب” ، فهو “الذي يفتن القلب” ، وهو “يفتن القلب”، ولا يكتفي الشاعر بالتلويح بفتنة المجاز وحسب إنما أيضاً للمجاز أفاعيل أخرى في النفس والروح، إذ يأخذ الرئتين وأخذ الرئتين مجاز، وآلة الأخذ “بتنهيدة” مجاز، ثم يعكس اتجاه السلب فيجعل المجاز يؤسي ويداوي “ويداوي الجروج”.
    لقد سخرت جملة في ديوان “مساكين يعملون في البحر” من جملة من تبعها من الغاوين لتثبت ان الشعر له طاقة إن أوغلت فهي كالحياة وإن أدبرت فهي كالموت.
    تحياتي
    علاء الدين رمضان

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية