محمود قرني: (الخريف الأخير لعيسى الدباغ).. اللغة والتناص يعيدان تشكيل الذاكرة

حسين عبد الرحيم

منذ بزوغ أعماله الروائية والقصصية الأولى واستوائها علي قشرة تلك الأرض الصعبة، تتبدى تجربة حسين عبد الرحيم لمتابعيها مفعمة بتاريخيتها وأسطوريتها ومزدحمة برائحة مكانها. ويرتبط هذا الوعي لدي الكاتب بسحرية خاصة تكتنف لغته وعالمه الصعب شديد الوعورة، الذي يبدو دائمًا مكونًا فريدًا وممتدًا في جغرافيا تقف علي حافة الخطر. فمدينته «بورسعيد» ليست سجلاً عابرًا في تاريخ التركيب السكاني والجغرافي المصري، وبحكم كونها ثغرًا حيويًا كانت محطًا لغزاة تعددوا عبر التاريخ. غير أن حسين عاين بنفسه آلام التهجير عقب هزيمة السابع والستين، لذلك كانت تلك الحقبة تمثل واحدًا من المفاصل الرئيسية في تجربته. الهزيمة هنا كانت تحمل قيمة خاصة تختلف عن ذلك الأثر الذي تحمله لجموع المصريين. وسيذكر حسين ذلك بالكثير من الحنين والألم في روايتيه «عربة تجرها خيول» و«المستبقي». ومع ذلك فإن ابتعاثه أجواء الحرب عبر مساحات شاسعة من الاغتراب الذي صاحبها لم يتحول إلى شعار سياسي، فظل عمله الإبداعي ابنًا وفيًا لجماليات النوع الأدبي قبل كل شيء، ما جعل تلك الأعمال تعبيرًا دقيقًا عن ملامح تيار ظل مؤثرًا في الكتابة الجديدة.

وسوف يتأكد المتابع من أن عددًا من أعمال عبد الرحيم عززت هذا المعنى. فمجموعته «المغيب»، مثالاً، أعلت من قيمة الوظيفة الاجتماعية للإبداع، عبر خطاب متعدد يعكس الانتماءات الأيديولوجية ذات الصبغة الإنسانية غير الملتبسة، وربما كان هذا الوعي يقف خلف حفاظ عبد الرحيم علي بنية القص كقيمة جمالية. وقد تعززت رؤية حسين بعد ذلك في روايته المهمة «المستبقي» ثم في مجموعته قبل الأخيرة «زوم إن».

أما في مجموعته الأخيرة «الخريف الأخير لعيسى الدباغ»، دار بدائل ـ القاهرة 2018، فتبدو انحيازات عبد الرحيم المعرفية والجمالية واحدة من امتيازات كاتبها علي مدار أكثر من ربع قرن. فالتاريخ، وطغيان ملامح المكان، والاعتماد على المونولوج الداخلي المحمول على تشكيلات لغوية كثيفة ودقيقة، كذلك غياب الحدث في أغلب الأحوال مقابل حضور الذات سواء عبر الراوي أو عبر أبطاله المبتسرين الذين لا يملكون الكثير من الإفصاح، ثم حلول التاريخ محل المحايثة، كل ذلك يعني بطبيعة الحال أن الكاتب يعمل من خلال وعي كلي بالعالم. وهذا ما جعله يبدو في عمله الجديد منافيًا لتصورات الساردين الجدد من ناحية، ومن ناحية أخرى تبدو مجموعته مثيرة للأسئلة أكثر من كونها نوستالجيا تسير على حافة المحنة الشخصية، وهو الأمر الذي يثير استفهامنا عن مساحات التحديث في نص عبد الرحيم بصفة عامة، وفي مجموعته التي بين أيدينا على نحو خاص.

 

مع قصته الأولى «حسن كبريت»، هذا البطل الذي تتمدد سيرته عبر قصتين تحملان الاسم نفسه على توالي الترقيم، نكتشف أننا أمام حالة اعتزالية يمارسها بطل القصة فيما يبدو رفضه للعالم كأنه حالة احتجاجية على ما يحدث خارج عالمه المؤطر بزمان ومكان لا يبرحهما، وسنجده في نهاية القصة الأولى يرفض فتح بابه لصبي يطرقه رغم أن الثورة محتدمة بالخارج، وستتبعها موجات من الغضب العارم. أما في القصة الثانية فبدلاً من أن يتحدث الراوي بلسان حسن كبريت سنجد البطل يتمنطق الحديث منذ بداية القصة فيما يعزز حالة البوح المؤلمة التي تدفعه لتذكر مناطق شديدة الإيلام والوعورة، مثل محاولة خطفه في الرابعة عشرة من عمره، ثم تنتهي القصة بتحطيم هذا المارد الصامت لصمته بعد الاعتداء عليه من بلطجي علي نيل الزمالك، حيث يذهب إلى شوقي المزين ويسترق موسي من محله، ثم يعود إلى حيث البلطجي ليمزق وجهه قائلاً له: «عدت لك يا بن القحبة.. أنا حسن الغجري الذي لا تعرفه إياك أن تنساني مهما طال الزمن».

  

وسيبدو البطل في قصة «الصيف الأخير» ليس بعيدًا تمامًا عن حسن كبريت، وربما هو نفسه البطل الذي تبدو علاقته بالعالم، كما يصفها الكاتب، تراوح بين الحقائق والأحلام بحيث يبدوان في اختلاط دائم، حيث يعرج على حياته بين القاهرة والإسكندرية ورشيد وسموحة وأثينا. ثم تأتي قصة «السيرة» التي تبدو كمتوالية قصصية في عشرة مقاطع تبدأ بقصة «السيرة» وتنتهي بـ«تراب ساخن». ويبدو القاص هنا أكثر اقترابًا من مناخات الغنائية بلغته الكثيفة التي تعتمد أعلى حالات التجسيد والمجازية. وفيما يبدو أنه تسلسل متواصل وغير منظم لسيرة البطل في وحدته يبدو مقطع «رقيب رمزي» أكثر انفتاحًا على سرد الكثير من تفاصيل هذا الغريب المهزوم، وسيتطاير هذا الاسم بين رقيبات من النسوة اللائي يتأملن انتصاب جسده الفارع حسب تعبير المؤلف عندما يقول: «في ساعات النهار وهن يغسلن الأواني، حتى وهن يتحممن، لا تنقطع سيرة الغريب، أيضًا يحكي الشيخ مردان جانبًا من سيرته بعد صلاة الفجر ويصفه ملتمسًا الغفران له لأنه مصاب حرب.

 

أما في المقطع الرابع فيتناول الراوي علاقته بالمخرج الراحل حسام الدين مصطفى الذي تتواتر سيرته في أكثر من مكان في المجموعة، بل في أكثر من مجموعة. الحوار يدور بين الراوي وبين عم يمني البواب الذي عاشر المخرج الراحل لسنوات طويلة، ويقدم له وصفًا دقيقًا بما في ذلك زيارته لإسرائيل، والتحولات التي طرأت على شخصيته بعد تلك الزيارة. وربما كانت تلك العلاقة الفريدة بين الراوي وبين المخرج دافعًا لذلك التناص الذي تكشف عنه قصة المجموعة «الخريف الأخير لعيسى الدباغ». فـ «عيسى الدباغ» هو بطل رواية «السمان والخريف» لنجيب محفوظ. وقد كانت تلك الشخصية كاشفة لأهم ملامح شخصية الراوي الذي يبدو غريبًا على زمنه. فـ«عيسى الدباغ» الشخصية الوفدية البارزة في «السمان والخريف» فيما قبل ثورة يوليو كوفدي نشط يشارك في معظم الأحداث العامة، ويتبوأ المناصب الرفيعة، ويحصل على الكثير من الرشاوى، يجد نفسه متجردًا من كل هذا بعد قيام الثورة، فيظل محاصرًا بين الولاء للماضي الذي كان يمثل أوج مجده، وبين حاضر يحاول اللحاق به ولا يعرف سبيلاً إليه، وسيجد نفسه في النهاية محطمًا بين نوازع وطنيته التي تدفعه لتأييد الثورة أحيانًا، ثم نكوصه عن هذا التأييد كلما خسر موقعًا من مواقعه الحصينة ومكتسباته القديمة. وسنجده في النهاية قابعًا تحت أقدام تمثال سعد زغلول؛ يتأمله في حسرة وكأنه يستعين به على ما يراه من شظف. وعندما نعلم أن الفيلم من إخراج حسام الدين مصطفى، الذي عمل معه الراوي كمساعد مخرج، سنكتشف أن ثمة تطابقات بين الراوي وبين مخرجه تصل إلى التشابه في الشكل والملامح. سنلاحظ أيضًا أن جزءًا أساسيًا من ملامح المكان القصصي تتبدى في حضور الميناء بشكل شبه دائم، وهو ربما أمر وثيق الصلة بعالم الراوي الذي نشأ وتربى فيه وصنع الجزء الأعظم من مخيلته، وسيتبدى ذلك بجلاء في المقطع الخامس من السيرة المعنون بـ«عكس الريح»، حيث يخرج البطل إلى ميناء الإسكندرية بحثًا عن والده الذي قدم من بورسعيد قبل ربع قرن، وهو نفسه الأب الذي يصفه الراوي، عبر مشاهد معقدة في قسوتها، تدفعه لوصفه بـ«الهالك» في مقطع «سيرة الكاتب».

 

أما في قصة «صخرة طانيوس» التي تبدو هي الأخرى نوعًا من التناص مع رواية بهذا الاسم لـ«أمين معلوف» تبدو صورة جديدة للولع بالتاريخ، ولكن ليس على رسل معلوف الذي يرى أن التاريخ ذاته يصلح دائمًا لقيادة الحاضر. سنجد عبد الرحيم على النقيض من معلوف، حيث يطرح في تناصاته معرفة جزئية بالتاريخ تعنيه منها صناعة بؤرة عابرة لأثر الحرب. إذ يهرب بطل صخرة عبد الرحيم من لحظة الهزيمة الستينية في مصر ليجد أمامه هزيمة أخرى تشهدها بيروت التي هرب إليها.

 

أما لغة عبد الرحيم فتتبدى فريدة وقشيبة في العديد من قصص المجموعة، لكنها بشكل خاص تبدو لافتة في قصصه: «دائرة الرحلة، محطة، وأسود وردي». حيث اللغة في تلك القصص تبدو ممثلة لنمط من الوعي، ومن ثم فهي ليست وظيفية كما هو حالها مع الفنون السردية، بل هي منتجة لرؤية مركبة، لكنها في نفس الوقت ليست ضد النمو الدرامي للحدث.

 

ولا شك أن العالم القصصي لحسين عبد الرحيم يبدو فريدًا وملغزًا في أيامنا التي تحفها روائح الروايات والقصص الأكثر قراءة، والطبعات العشرين والخمسين، والكتابة حسب أهواء القارئ وخضوعًا لحاجاته، ضمن أعلى حالات التكيف الممكنة التي تحولت إلى أسوأ معاني تسليع الأدب وإخضاعه لمنهجية التسلية والتسرية حسبما تقتضي فرائض عصر الصورة.

 

إن حسين عبد الرحيم يبدو بهذا المعنى كاتبًا من عالم الماضي، لكن ذلك لا يعني أن أدواته تمثل الماضي. بل ربما بدا أداؤه الجمالي ما بعد حداثي بامتياز، حيث يتجاور الماضي مع أكثر لحظات الحاضر قسوة، وحيث لا قداسة للتاريخ ولا قداسة لمركزية ما، وحيث اللغة تبدو متهكمة من عالم يبدو مهانًا ومؤلمًا. ربما لذلك بدت لحظات السديم هي نفسها لحظات ميلاد المعنى. إنه عالم فريد في سوداويته واغترابه، لكنه فريد أيضًا في تعبيرات قوته التي تبدو كعنقاء يبعثها الفن من الرماد.

شاهد أيضاً

محمد الأمين سعيدي

«الموت في وهران»: السيرةُ والمتخيَّلُ .. محمد الأمين سعيدي

   تمامًا كما تقتحمُ بختة الشرقي البيت على هواري معلنة الشوق والمحبة؛ تقتحم رواية «الموت …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية