متى نعيد الجلالة لصاحبتها .. وائل خورشيد

وائل خورشيد

 

أجدني أفكر في هذا الأمر كثيرًا، ماذا حدث؟ كيف تحول القلم صاحب «الشنة والرنة» إلى مجرد أجير عويل، ولقمة سائغة  بين فكوك لا تكاد تفقه قولاً.

أتكلم عن الصحافة، التي لم تعد لها أية جلالة، وقائع تعذيبها كثيرة وصريحة، ذكرها يحتاج إلى تأريخ، لا مجرَّد مقال يتيم لا يجد للنورِ طريقًا حتى يشقه وسط هذا الظرف المجتمعي والسياسي «الطارئ»، وهوان المهنة على أبنائها، حتى تحوَّل كل شيء إلى حطام.

بات الجميع يتجرأ عليها، فهي ليست على قلب رجل واحد، تسلق جدرانها العليا أصحاب المصالح وانحنوا أمام أصحاب الأموال؛ لينتهي الأمر بحلقة ضيقة للغاية لا يمر منها وميض ضعيف خافت، ولو مر مصادفة ينتهي أمره.

كانت الكلمة تُكتب فتهز أرجاء العالم، ولنا في الغرب الآن مثالاً، حيث الصحيفة تحرِّك صناع القرار وترشدهم إذا ما أخطأوا، أما الآن بات الرويبضة يسب الصحفي، ويسب صحيفته، والمصدر «الضعيف» يتعامل بتعالٍ على ممتهن هذا المجال.

الجميع يرى أبناء المهنة قد باعوا أنفسهم وولاءهم لأصحاب السلطان، وهم لا يدركون شيئًا. لا يفهمون أنَّ هناك أبطالاً لازالوا على العهد، حتى لا تنتهي تلك المهنة وسط ما يحيط بها من أوضاع سياسية ومادية.

أفلام ومسلسلات باتت تعرض الصحفي أو الإعلامي كأفاقٍ أو متسول أو لاهث وراء معلومة من مصدر فاشل بالأساس، للأسف.

والغريب في الأمر أنَّ هؤلاء المنتفعين الذين ظنوا للحظة أنَّ حديثهم في الصحيفة له قيمة، ليسوا في الحقيقة كذلك، وفي ظرف زمني آخر، لم يكن ليستعين بهم أحد من الأساس، بل كانوا ليركضوا وراء صناعها حتى يذكر اسمهم في جملة، حتى لو كانت غير مفيدة.

المواطن في الشارع تحوَّل لمخبر سري، مجرد أن تخرج كاميرا أو صحفي لرصد الواقع، الجميع يؤدي دور «المفتش كرومبو» ويمنعه، يسألونه: لماذا لا تكتب عن كذا وكذا.. وهل تقدر أنت؟ لماذا أدفع الثمن من حياتي لأجل من ينتقص من قدري من الأساس.

العيب ليس عيبهم وحدهم، فلنا إثم أيضّا، فالهوان جعلنا نعرض توافه لا قيمة لها، والتفرقة في صفوفنا والسعي وراء لقمة العيش قتل كل شيء، وبات الوضع بائسًا للغاية. ولكن صاحبة الجلالة ستبقى لأنَّها دومًا زاخرة بأقلامٍ وقلوبٍ نضرة، ربما تحت الحجب، ولكنها موجودة.

بقاء الصحافة وعودتها لقوتها ورشدها بات مسئولية مجتمعية، فلم يعد من الممكن لأبناء المهنة وحدها تحمل الضغوط طوال الوقت دون معين، على هذا المجتمع المتأفف أن يساهم لتسترد عافيتها، إما هذا أو ليصمت، يكفينا ما نتحمله. قضايا في المحاكم وتهديدات بالقتل، والسجن، أو حتى فقدان مصدر الرزق الهزيل، نعمل في مناخ خريفي، لا يمكنك فيه أن تستنشق الهواء من أنفك مباشرة بشكلٍ طبيعي.

ألا تفهمون أنها المنبر الوحيد المعبر عن الناس، لماذا تنتقون الغث من الثمين، ثم تقولون هذا أنتم؟ كفانا تدليل لكم، هذا هو الواقع، إما أن تنتصروا لها، أو يكمل الجميع في طريق الخسارة.

شاهد أيضاً

ليلى أولادهي

المرأة العربية والصور النمطية إلى متى؟ .. ليلى أولادهي

    عانت المرأة ولا تزال من انعكاسات التمثلات والصور النمطية على موقعها في المجتمع، …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية