متكأ الروح في مدن بلا نخيل .. فاطمة عبد الله

طارق الطيب

 

(لا دخلتها برجليّا ولا كان لي ميل) أعتقدها مقولة تعبر جيدًا عن حال” حمزة” بطل رواية (مدن بلا نخيل) للكاتب السوداني المصري دكتور طارق الطيب؛ فما دخله هذا البطل من سلاسل الفقد لم يكن بيده، ولا موافقًا لميله الشخصي، وما اعترى حياته من تغييرات، لم يلحظ سابقًا ما يُنبئ بحدوثها، ما كان يمر بخياله وهو غرير يمرح بين النخيل، أو وهو يقذفه بالحجارة، فتمنحه نخلة ثمارها وأمنه وأمله في جمع ما تُلقي  إليه به في الغد وكل غد.

 

لذا أخذنا معه في رحلة الحنين؛ فالحنين نداء الأرواح الخفي.. يقاوم به الإنسان ما يعتري حياته من تناقص، وما يجترح الروح من وحدة ووجيعة؛ لذا يلجأ الإنسان للحكي ـ وهو متلازمة إنسانية ـ ليستعيد به ما تأخذه الأيام، ويستولد به حياة من العدم، لعله يقاوم الوحدة والفقد الدائمين.

 

إن”حمزة”، بطل “مدن بلا نخيل”، الآخذ من اسمه نصيبًا من التجلُّد والاحتمال، يقاوم سلب الفقر لحياته شيئًا فشيئًا، يبصق عليه ليطفئ جذوته حتى لا تأتي على أخضر الروح ويابس الواقع، ينبش أرضًا في الحقيقة.. ينبش جرحَ ذكرى والده الذي انشغل عن أسرته بذاته، وسمح للغياب أن يتماهى ويخلِّف وراءه وجيعة وافتقادًا، يحنق حمزة عليه لا كراهية لأبيه، كما يدّعي في الرواية، ولكن حبًا له واستنكارًا لغيابه وقت الحاجة له، فالغياب إعلان صريح عمن نفتقدهم، يدفعنا لمقاومة ما أثروه من حنين وشوق مذبوح فينا.

 

تحولت حياة حمزة لسلسلة من الافتقادات: الأب الغائب بلا أمل فى العودة تاركًا خلفه أبعاضًا منه، لا تسمح بنسيان الغائب المفتقَد، زوج قابعة خلف أحزانها الأنثوية المكتومة، وطفلتين لهما الأيام القادمة لا المولّية ظهرها، والجار الطيب( ود النور) الذى ما ودعه حمزة، ولكنه ترك ما يجعل حمزة لا ينسى فقده لهذا الرجل.. لقد ترك للفتى شعار الوقت/ الساعة، كأنه يجعل الجرح مفتوحًا أبدًا، منبهًا للفاقد من العمر والأيام الهادئة الجميلة، كل حركة لعقارب الساعة تشير لِما يمضي ولا يعود، وكل دائرة مكتملة للوقت تحكم إنغلاقها على الفتى.

 

ويظل لحمزة معادلُه الموضوعي للمفتقدَات: النخل الباسق في أفق الروح، المتربّع في عمق القلب المثمر في براح الذكرى.. النخل الذي ما فتئ رمزَ الديمومة والإخضرار مقاومَ أفاعيل الزمان، مانح الأمل في الاحتمال والاستمرار، النخل رمز العمران عند حمزة. 

 

يصحبنا حمزة في رحلة تمزقه الإنسانيّ، حاملاً كاميرا تلقُط مواصفات المكان، لكنها كاميرا تحب ما بمخيلته من ذكريات قريته ( ود النار)، وكيف ينساها ولها ما لاسمها من الاستعار والتوهج واستمرار الأثر في نفسه.

 

 إن كاميرا حمزة مثله.. شهادتها للمدن الأخرى مجروحة، فعين حمزة/الكاميرا تصف المدن والأماكن، لكنها دائمًا تذكر كل ما يتعلق بوجود النخيل أو غيابه.

 

افتقد بطلنا أمان قريته القابع في ذاكرته، لا ما دلنا على واقعيته، فحمزة مؤمن بأن(ود النار) لم تكن اليوتوبيا لكنها مكان الطفولة وكل طفولة، كما أشار، لابد وأن تكون سعيدة؛ ففى قريته الجفاف والفقر والوحدة في مواجهة الأيام، لكن فيها أيضًا الأحباء الراحلين، أو الذين ارتحلوا عنه أو منه، والغريب المدهش في انتقالات حمزة، التي رمته إليها المقادير، أنه لم يشكُ إهانةً، أو نومًا في العراء، إلا لممًا، ورغم أنه لم يكن في غير صحبة، ولم يكن بأماكن يعتريها الجفاف كما يعترى قريته ود النار، وأنه لا تشمله الحرارة العالية، رغم ذلك كله إلا أنه دائمًا الغريب الذي يأخذه الحنين، وكأن معتركه مع الأيام كان فقط في إبعادها له عن نخل الوجود والأمان والعمران، وكأن النخل هويته التي فقدها ببُعده عن القرية، فصار النخيل هوية وحياة وصار القرية المرتجاة.

 

 كل من تعامل معه حمزة أكرم مثواه، وأعانه على تحمل الغربة، وساعده بشكل يدعو للتأمل في الحكمة التي ساقته إلى هؤلاء، أو ساقتهم هم وحدهم لا غيرهم من البشر إليه، فكل من التقاه بطلنا/حمزة مد يد العون إليه، ووفر بشكل أو بآخر لقمة العيش له، الكل، مهما كانت وظيفته، كان إنسانًا معه كود النور، لكن حمزة ما يفتئ يذكر ود النور ويتحسر على فراقه دون وداع كلما نظر للساعة.

حمزة البادئ رحلته وذكرياته معنا بالافتقاد، ,انتهى به الحال أيضًا إلى الفقد؛ فكل ما كان رابطه بالمكان والتواجد زال وضاع:المرأة الوحيدة التي أحبها الرجل بداخله.. الطفل الذي كان يوحي بالامتداد واستولاد الحياة.. الشنطة المصنوعة من سعف نخيل بلاده.. دُمى الطفلتين اللتين مارس معهما أخوة لطيفة وأبوة طفيفة.. ساعة” ود النور” التي تعادل عمره المعروف.. تميمة أمه/ حصنه وأمانه.. وبزوالها كلها ضاع نخيل روحه بضياع مرتبطاته مع هذه العلائق؛ فلم يكن مدهشًا بعد ذلك للمتلقى أن يستقرئ الأحداث، ويعرف أن حمزة ضاع شيئًا فشيئًا.. جزءًا فجزءًا مع هذه الأشياء،  وما كان صادمًا حال الفقد الشديد الذي لقيه البطل المهزوم عند عودته لقريته ود النار فيجدها هشيم ذكريات..مقبرة مفتوحة لكل علائق الذكرى.. يجد غيابًا قاسيًا في صراحته، موجعا له في مواجهة ما لم يدركه سابقًا من أن القرية حين افتقدت نخيلها فقدت وجودها.

 

النخل كان هوية، وافتقادًا آل إلى فقد، كانت تلك رحلة الإنسان/ حمزة ابن ود النار وابن الوجود، فلا دخل رحلته هذه” برجليه ولا كان له ميل”!

 

مدن بلا نخيل

***

* دكتور طارق الطيب سوداني الأب مصري الميلاد تم تعيينه سفيرا ثقافيا للنمسا عام 2008.

شاهد أيضاً

خالد النافعي

تماهي النصوص في رواية «المرأة والوردة» لمحمد زفزاف .. خالد النافعي

  (1) شكلت كتابة الكاتب المغربي محمد زفزاف علامة فارقة في الأدب المغربي والعربي معًا، …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية