ما تبقى من «خوف الكائنات».. ياسر الزيات

ياسر الزيات

أستقبل يديك بالشهوة ذاتها التي تستقبلين بها حلمتي في فمك. إذا تبادلنا الرضاعة، فهذا لأن الحياة ناقصة وحزينة. ولا بد أن شيئا سيحملنا بعيدا، حيث يكون كلانا الآخر، فينبت لي نهدان يشبعانك، وألدك ليس على الورق بل على العشب. تركتك عالقة في محارة، وذهبت لأربط الكون في رقبتي، وكنت تبكين. وفي المسافة بين الحضور والغياب التفت حولك الديدان، وأخذت تراقبك بدهشة. كانت غاضبة لأنني لم ألدها على هيئتك ومثالك، وهز غضبها الوديان. طلبتك الزلازل قربانا، فذبحتك من حيث عويتِ، وجعلت من جرحك نافذة للبقاء. ستكبرين، ويهتز جسدك كلما صرخت ريح أو اشتاق جبل إلى الامتلاء. ستكبرين وتصرخين كلما أصيب جرحك بالذكرى. وكتبت عليك أن تكوني عبدة الزلازل في جسدك، أن تبكي وتضحكي كلما اهتز نهداك، أو اختبأ ذئب في عشبك هاربا من الفناء.

***

لأن الألم ليس لعبة، أخذتك إلى الكهف، وذبحتك. لففت النهر على رقبتك، وشددته حول نهديك، حيث زرعت شجرتين، ثم أخذته إلى فرجك لترعي فيه الأسماك. وأوصيت الخفافيش أن تمتص حلمتيك، برقة ثم بعنف على التوالي، وخرجت. كان العالم موحشا. ولم أعرف ماذا أفعل بكل هذا الركام الذي تركته خلفي، وأنا أجعل منك أنثى. وسمعت في الحقل صراخك، لكنني لم ألتفت، سمعته في الغابة، وفي البحر، وفي الوديان العميقة، سمعته في روحي. وكان في السماء شيء من دمك، وعلى الأرض كانت عيناك فخا للعابرين. وجلست وحدي، في الليل، في المستقبل، أكتب لكل كائن مصيره، وأبكيه.

***

لأن الحرية قاسية أدركت محنة الكائنات، وأجلست الموت على الشاطئ، صامتا وغير مرئي. وكانت الوحوش نائمة في كل كائن فاستيقظت، وكان على الموت أن يطعمها من عرق يديه.سيكون عليك الآن أن تنهضي. منحتك أن تنزفي عند كل مغيب، وأن تصرخي كالذئاب، وأن تكون لك في كل صرخة حياة. وذهبت بعيدا، حيث نثرت روحي في كل شيء، وأوقفتك على حدود المعرفة. وهنا استدار الزمن كأنه أرجوحة بين نهدين، وصارت للمستقبل رائحة المحار بين فخذين.

***

أمر بالأخطاء نفسها التي تركتها في كل حياة. أقول إن هناك هواءً في الخارج، وأهجو الإتقان. لا بد أن هناك خطأ يجعل الجمال ممكنا، كأن أتركك وحيدة في الكهف، عارية وعزلاء، محمومة بالذكريات. في اللحظة التي تصرخين أتألم، ولكن ما الحياة إن لم تكن تبادلا للآلام؟ سيكون عليّ أن أعيدك إلى مصيرك، ولكن شيئا لن يتغير، لأن ما كنته ستكونينه، حتى إذا نزف الكهف، حتى إذا انزلقت كالجنين إلى الحرية.

***

إذا كان على أحد ما أن يسمع أقوالي، فيجب أن يحذر من البرق والرياح والصمت المفاجئ. مع كل كلمة يهتز شيء في العالم، ومع كل صوت تسقط حياة. فأنا الرحمة واللعنة، أنا الوقت بين الذنب والمغفرة، أنا العدم القادم بلا توقف، أنا كل الأشياء في ذاتها، إذ لا تدرك وجودها ولا فناءها. ولم أصنعك من خيالي إلا لأنني وحيد وبائس، ولأنني أردت أن أغسل العالم من الكراهية. ولولا وجودك لبقيت فكرة في ذرة ضائعة في العدم.

***

..وكذلك كتبت عليك الشهوة كما كتبتها على السماء والأرض، وكتبت عليك الحنين. وأسلمتك إلى النقصان ليحشوك برائحتي، وزرعت فيك غيما سائلا سميته الجنون. وجعلت بكاءك موسيقى الكائنات إذ تغفو، فتحلم بالنجاة، وفي جلدك زرعت الغابات التي تحترق كلما أدركها الأنين. ثم حللت في روحك كالموت إذ تتنفسين، وإذ تتألمين، وإذ تحلمين بفخ القردة المتربصة، ودماء الأجنة الهالكة، وسكاكين الشعراء المهزومين. وقلت لك انهضي، فنهضت كالريح في الحقل، وفزع الكهنة إذ أطللت على الكون بعينين مشتعلتين، وجبلين حزينين، وشفتين غافيتين، فقالوا: “إن هي إلا كوابيس الموتى، ومصائر القادمين”. وسرى فيك الحب مسرى الخوف، فألهمتك أن تنظري حيث احترق الكون، فرأيتِ لهيبك يلهو، وأشباحك تتكاثر كالنمل. وأوحيت لقلبك أن يتوقف إذ يتذكرني، ولجلدك أن ينتفض، وبطنك أن ترتج. وكنتُ غيابي فيك، فكان غيابك فيّ، وأنشأت الزمن بكاء أبديا بين غيابين. وجعلتك كونا بين الكونين.

***

خلف ظهري عاصفة، وخلف ظهرك نهر. أمطرتْ، إذن. ولم يكن ذلك ما أريد، لكنني رأيتك تسرعين كشبح لتلبسي جسدي. هنا ستعيشين، في هذا الفراغ الأبدي. ولم تكن تلك مشيئتي، بل خوفك من البلل. تستطيعين أن تقفزي بين الكواكب، وأن تنتقلي من رئتيّ إلى قلبي كلما شعرت بالضجر، ولكنك- أبدا- لن تنجحي في الخلاص من العزلة. وأنا أحترق، أحترق بالغضب والوحدة والشوق، لكنني عاجز تماما عن تحريرك من جسدي، عاجز عن إنقاذك من موتي المتراكم، ومن جنوني الذي تصنعينه على يديك بقفزات متواصلة في قلبي. أدخلك الخوف إلى الفخ، ولن ينجو أحد إلا بالدم.

***

أتنفس فتصرخين، لأن العالم يضيق. أتكلم فتبكين، لأن سماءك تنطبق على أرضك من الصخب. أبكي فتختبئين في كبدي، لأنك تكرهين المطر. أرتعش فتتألمين من خطوة الجبل فوق قدميك. ما حيلتي، وأنا أراك تموتين داخلي؟ ما حيلتي، وأنا أحمل السجن تحت جلدي؟

***

على حافة الخوف، على حافة الصمت، على حافة البكاء، على حافة الموت، يجلس الحب، ويكبر ككلاب الشوارع، منبوذا وجائعا. يريد أن يقول شيئا، لكنه لا يتذكر إلا كلمات النهاية. ويريد أن يتنفس، لكنه ينتفخ ويطير بلا هدف. ينظر إلى نفسه في الماء، فلا يرى إلا ظلا يأكل الوجود. ويريد  أن يموت، لكنه يحمل الصليب، ويمشي ضائعا، مناديا إلى الأبد على الفناء.

شاهد أيضاً

أمجد ريان

ليس الثبات سوى نوع من الحركة .. أمجد ريان

  سهرت المرأة الفقيرة على ملابس ابنها تُرفيها، ثم تقوم بكيّها وفي الليلة التالية تضرب …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية