ما أكبر جرحي وما أصغر قلبك.. أسامة سليم

أسامة سليم

يرتمي بكل ثقله على السرير، يتأمّل بياض الحائط قبالته، ثم يمتص سيجارته بشبق وينفثها بغضب، ومع النفثات يزفر الغضب والحقد، ويتذكرها، كل تلك اللحظات التي لم يسمع فيها سوى الصدى مبحوحًا داخل أوردته، حين ينشرخ الزمن ويتكثف بينهما حاحز الصمت وسط عباب من الدخان ودوّي الصمت والنبيذ، وحشة ضارية تقيم في خلاء روحه ولا تنسج سوى الكراهية، أنا سليل الخسارات والخيبات، لم أرتق سوى خرابيش الزمن ومعارك العدم بإبرة الوجود، أنا حصيلة من الهزائم المتتالية التي حفرتها في هوة الفراغ السحيق من تنانين الغيرة وحمى التملك، جمّدها الزمن وصقيع النسيان وخراطيش التاريخ.

هو الإيناس حتى لا نشعر بالكآبة، حكايات شهرزاد والأزمنة الموحشة الغابرة، في هذا العصر الملغوم، محاولاً إزاحة هذا الكابوس اللعين، حيث صوت الريح والوحش وصوت الأرض والزمن القديم، حيث أنين الغابات البكر قاتل من أجل نفسه ومن أجلنا جميعًا، وحيث الإله يموت وحيدًا، وحيث الذكريات العذبة والسعيدة عابرة في هذه الدنيا، لماذا؟ لماذا يحدث هذا التشوّه والإعاقة في علاقة امرأة برجل؟

لماذا أحارب بعبث وسيزيفية؟ بكلّ عبث كأنني أحارب الحرمان الذي عشته بالحب، وحده الحب الذي كان صابونًا للهموم ينقي ما دنّسَهُ قَلْبُكِ، قَلْبُكِ أشبه بمرحاض تتناسل فيه بكتريا الوله والعشق والتيه في زمن الخسارات المتتالية، أنا حصيلة الهزائم التقليدية لم أرث عن أبي سوى حلم، تقوّس ظهري وأنا أحاول قطفه في سلة الوهم.

منذ سنين وأنا رفيق للخيبات والانكسارات المتتالية، تنقبض أحشائي فأتقيأ، أزفر في الهواء وأسفع السهل المديد بموال علمتني إياه جدتي عن الغربة والاشتياق، يخترق صوته الصحراء والفيافي والجبال، ولا يسنقر على شيء، هنا في مدينة زجاجية تفوح من أقبيتها رائحة الجنس والنبيذ، حيث لا تشبه قريتي سوى في الطيف الحالك الذي يخيم على ليلها مساء، أين أنا؟ آه يا أمي لو تعرفين مدى عمق جرحي، أريد الهروب نحو المجهول أو العودة إلى رحمك مرة أخرى.

أنا الشاعر الذي يبحث عن حرف جديد في الأبجدية، وأنا النبتة الشيطانية الخارج من تلافيف ذاكرتك، لقد أنهكتني خراطيش التاريخ، وأنا أبحث عن حضنك.

شفاه يفيض منها ومض كاللهيب، ضبابة صفراء زعفرانية تترجم كثافتها شهب مستديرة، عيون كأنها فيض من النور الممزوج برائحة الورد، في عتمة الأزرق الأبدي العامر بالضوء والذكريات جمدها الزمن وصقيع النسيان، أدفع ضريبة للذكريات كرجل بلا تاريخ وأنا أخرج كفضيلة من أسطر الإنجيل في ظلمة موحشة كقبر تخيم على روحي في شاشة الذاكرة، صورتك تؤثث ذاكرتي وتعربد في الشرايين والأوردة، من أمجاد الأسلاف الغابرة الموشحة بالنسيان.

أمّا ليلتها؛ فالهوس بالمعنى والاستعارات كان هذيانًا، الحب كان نظرية في زمن الأدلجة، والسرير كان ميدانًا للتطبيق، الجنس كان لغزًا محيّرًا تلك الليلة، كان يحارب الحرمان الذي عاشه بالحب ليلتها، أما الوحدة التي ظلت تلازمه خلال كل تلك السنين، رغم أنه يعيش بين العشرات والمئات يبدد وقته فلا يتبدد، كانت مجرّد معطى عابر، كانت الماركسية هي العناوين، كان الحب قائمًا فكان الحقد الطبقي باقيًا، الثورة، الحرب، أو أطروحة روزا لكسمبورغ عن الثورة حين قالت؛ تلك الظلال المشؤومة للحتمية الأساسية قد تم، إلى حين، تحاشيها. إن المجتمع البرجوازي يحس نفسه من جديد سيد مصيره، وهناك ملايين الهامات التي تنحني تحت نيره. وآمال البروليتاريين في كلا العالمين، والمثال الاشتراكي، والحلم الجنوني بمجتمع جديد مكون من بشر أحرار متساوين، لكم يبدو كل ذلك بعيدًا في أعين البرجوازيين الشرفاء الذين يمسكون ازمة العالم.

كانت ثوريّة، من نوع آخر، في عالم آخر، تحلم بكلارا زيتكن ورزا لكسمبورغ، وألكسندرا كولنتاي.

كانت هي هو؛ وكان هو هي.

لو لم يعرف أبي أمي.. لما ولدت مرة أخرى على هذا السرير.

أما ليلتها، فقد تفجرت الأنوثة في أقصى تعرجها وانفلاتتها وتثنياتها المبددة للصبر والمعرفة، كدم أحمر في نهر المعنى؛ يردم هوة الفراغ السحيق من تنانين الغيرة وحمى التملك، حيث المدن لا تزدهر، وحيث يمتد الجوع واليأس وأكواخ الصفيح والوحل والكوليرا والطاعون، هل الزمن الموضوعي، بما هو تاريخ ووقائع خارجية هو المسؤول، أم أنّ مدينة الخمارات واللافتات والتماثيل البرونزية كانت مهجورة برائحة الناس حيث الزمن يمضي والكلمات أيضًا.

وكما تتالى موجات من الرعد المتواصل، أقبل البحر طاغيًا مجتاحًا وسط ظلام أضيء بنجوم من دم. ما تلده هذه اللحظة من حنين وأحلام، لكنه كان يدرك أن هذه العلاقة هكذا، ستكون بهذه الغرابة والبشاعة.

يا نجمة تضيء ليلي، إني اخترتك من كل النجوم أﻻ يخذلني نورك، ما أكبر جرحي وما أصغر قلبك.

أودعك بكل هذا المجد الصوفي، وبكل أوشحة النسيان في مناحة هذا الزمن الكئيب.

إلى كلّ فتاة قلت لها أحبّك، ولك أنتِ بالذات.

شاهد أيضاً

وديع أزمانو

هذا قلبي .. وديع أزمانو

  لا أبكي ولكنها دماءٌ صعدت إلى عينيّ فابيضَّتِ الرؤيا وتساقطَ مطرٌ كثيفٌ من كتفِ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية