ماتت الملائكة لكن الشعر لم يمت .. منصف القرطبي

القرطبي منصف

 

ينبـعُ الشعر من روح العصر، من جرح دامٍ أو فم باسم كما علمنا جبران. ليس الشعر كلمات ومفردات تفضُّ بكرة الورقة، ولا هو وزن وقافية وبحر؛ الشعر جرحٌ يتفتّح، يتعرى بسببه القلب على العالم؛ على جمالياته وخيباته، على ألوانه وصفاته، على ألحانه ونغماته، على أطواره الغريبة العجيبة.

 

الشعر نزيف داخلي، يتجلى على الورقة، يتجلى بألوان متعددة؛ لكنه لا ينفصل عن روح وقلب الفنان، وإلا بات جثة أو شاهد قبر. من هنا، ووعيًا بالشعر العميق؛ يطلُّ علينا الشاعر نور الدين الزويتني من نافذة ديوانه: «كيف تظل شاعرًا بعد 2012»، آتيًا بنبإِ موت الملائكة.. لكن من قتلها؟ وكيف ماتت؟ ولـمَ؟ كيف نكتب الشّعر بعد موتـها؟ بعد 2012؟ أنكتبه بالـحبـر والقلـم أم بـالروح والـدم؟

لكي تظل شاعرًا

بعد 2012

عليك أن تنسى كل الشعر

تـمـامًا، وتـكـرهه،

أو تـحـبّه وتقبل أن يكرهك

 

هكذا يستـهل الشاعر الزويتنـي إحدى قصائده، مجيبًا عن أسئلة آنية حارقة، راسمًا ملامحَ شعر ما بعد الـملائـكة/ ما بعد الربيع/ الـخريف العربـي.. تنبأ كثيرون في سنة 2012 بفناء الأرض ووقوع أحداث وتحولات خطيرة تـمسُّ العالـم، حسب ديانة «الـمـايا» وتنبؤاتـها. هي سنة ما بعد العواصف، ما بعد الموت والدم، ما بعد ربيع أحمر.. هذا الـمنعطف التاريخي سيترك آثاره على مفردات الشعراء والكتاب والروائيين، على الشّعر خصوصًا؛ إذ كيف يكتب الشاعر عن الملائكة والفراشات والمروج الخضراء والسحاب والسماء؟ كيف يكتب شعرًا حالمًا منسجمًا مع العالم الافتراضي والواقعي، طافحًا باليقين، وهو الممتلئ بالخيبات والهزائم والـخسارات؟ حاملاً في كل يوم صخرة سيزيف متدحرجًا بها، عابرًا حدود الأرض، ناظرًا إلى الـدخّـان الـمنبعث من كـل مكـان؟

 

أليس الشاعر ابن بيئته حسب التصور العربي القديم؟ لمَ قتلنا الـملائـكة؟ ولم حرّفنا معالم الجمال والبهاء في هذا العالم؟ لم ارتدى الربيع ثياب الخريف بعد 2012؟ لم فعلنا هذا الأمر بالأرض الـحبيبة كـمـا يسأل الشّاعر:

أيتـها الكائنات الآدمية

ماذا فـعلت

بحبيبـتك الأرض؟

هي آوتك

كطفلة تـحضن

فـي فراشها الصغيـر

جروًا تعـسًا بردان

وأنتِ بنابي مصّاصٍ

لدغتها في القـلب

 

هي أزمة الإنسان المعاصر، والإنسان العربي خاصّة؛ الفرد العربي يسير ولا يدري إلى أين يسير، تائهًا بين الحداثة والتقليد، بين النور والظلام، بين الجنة والنار، بين القصيدة والعصيدة.. هذا الإنسان الذي وصف الخريف بالربيع حين يبس العشب وذبل الورد وانتحرت الملائكة؛ لذلك تدخّل الشاعر ليحل النزاع ويـختزل المسافات، ويقول للعالـم:

لكي تظل شاعرًا بعد 

2012

عليك أن تصير امرأة

وتحبل وتلد

تصير امرأةً ورجلاً في آن

بحرًا ويابسة

مخلب وحش وذيل بجعة

الاثنين والأربعة معًا

عليك أن تخنق أطفالاً ونساءً كثرا

في الذاكرة

وتدخل بسبب ذلك سجونًا

لا تخرج منها أبدًا

 

هذا الشاعر، الذي يرسم الزويتني لوحته ومعالمه، ليس ملاكًا نازلاً من السماء على سحابة؛ لأن الملائكة ماتت، وليس المتنبي؛ لأن زمن سيف الدولة ولى، وليس أبا نواس، لأن الخليفة راح وغاب.. إنّه شاعر البرّ لا البحر، شاعر يـخـالط النّاس ويـخوض حروبًا كثيـرة، ضدّ اللّغة، ضدّ تنـميط الوعي الفردي والـجمعي، ضدّ الابتذال، ضدّ الإيديولوجية الـمقيتة…

هذا الشاعر، إذا أراد أن يكون كذلك، عليه أن يـموت ميتة:

«إدغار ألان بو في بالوعة..

وتينيس ويليامز في فندق رخيص

ودانتي وأسـخيلوس وكـفافـي

 

بهذه الصورة يلقي علينا الزويتنـي درسًا؛ يعلِّمُنا خلاله كـيف نظلّ شعراء بعد سنة 2012، وكيف نصير شعراء بعد هذا التاريـخ الذي أسقط كثيرًا من الأصنام والرؤى والمعتقدات البائدة، معتقدات ومرجعيات يرى الشّاعر أنّـها لـم تعد صالحة لهذا العصر الزئبقي، الـمتحرك الديناميكي الـمتغيّر؛ عصر لا يعـتـرف بالقواعد والثوابت، عصر مـجنون؛ ولكي تكتب في هذا العصر، عليك أن تكون كذلك؛ تلد وتحبل كامرأة، وتـخـنق أطفالاً ونساءً كثـرًا فـي الذاكرة، وتُـمسكَ اللّغةَ كسكين Gerber Mark القتالية وتغمدها في قلبك، وترسم لوحات الشّعر بالدم لا بالقلم، بروحك وقلبك.

 

ربما، لم نجب عن السؤال الذي انطلقنا منه وصولاً إلى هنا؛ لكن، فيما تنفع الإجابة عن أسئلة من هذا النّوع؟ أنجيب عنها شعرًا أم نثرًا؟ ما دام الواقع يلعب بنا كيفما شاء، ما دام متغيّرًا وسريعًا وقاسيًا إلى درجة أنّ الشاعر يقول:

ما حدث لا يخطر

حتى في بال العائد

من حرب الشرق..

 

لا يكتب الشاعر منتقيًا من الذاكرة ما ترسـخ وما تجذّر؛ بل يتنبأ بما سيقع؛ لذلك، نرى سطوره تحترق برؤية سديمية ضبابية، رؤية كابوسية تستحضر كافكا وسامسا وإدغار ألان بو؛ رؤية لا ترى في العالم والغد والفراشات سوى حطام وخراب:

سمّى غدهُ حديقة

فطلعت زهورٌ حوله بلا عبير

سماه حقلا فنبتت زروع بسنابل فارغة

 

ومثلما يفعل لاعبو كرة القدم، حين يراوغون خصومهم ومتـتبعيـهم وجـمهورهـم داخل رقعة الـملعب، يفعل الشاعر الشيء نفسه ناثرًا بين الحين والآخر قصيدة خفيفة الظلّ لتُربك القارئَ القابعَ في هذا الـخَندق، قصيدة تحنُّ إلى رومانسية كلاسيكية، إلى لباس كلاسيكي، كما في نص لا أحب صورهم بالبيرييه:

أعشق صور الكلاسيكيين

والمهجرين

بالياقات المكوية

بعناية جنرال يسكر

في بار ثكنة

 

وأيضا ثيـمة الحبّ الـتـي خَاتلَ خِـلالهَا الشاعـرُ القارئَ:

توأم

هو ذا حبيبـي

الـذي يا ما

انـتـظرته..

خاتـمي الـذي ضاع مـنـي..

وفي بطن سمكة

وجدته!

 

يؤسس الشاعر نور الدّين الزويتني في ديوانه «كيف تظل شاعرًا بعد 2012» وعيًا جديدًا بالشّعر؛ شعرٌ يُكتب دون قيود وحزام، شعر يـمتـح من الأسطورة مثلما نجد في قصيدة أحد عشر أحدب:

يلقون بـي كـكيس بطاطا ضـخم

أمام بوابتـها الكبيرة

ثـم أقزام بوجوه سايـكـلوبات

يدفعونني عـبـر البوابة

 

وهو ما يضفي على قصيدته دلالاتٍ وإيحاءاتٍ متعددة، بفضل الشحنات الثقافية والنفسية والطقوسية المرتبطة بكل رمز من الرموز الأسطورية الموظفة، خالقة نصيّة يتفاعل داخلها الحاضر بالغائب، الأسطوري بالواقعي، في قالب منفتح على تأويلات عديدة، يـُضيئـهَـا القارئُ الـمهووسُ بسبر أغوار الكلمات في تناسقها وانسجامـها وتشاكـلها؛ وهو قارئ نخبويّ إلى حد بعيد، يشارك في ملء بياضات وفراغات النصّ، سادًا الثغرات التي تركها الشاعر وغاب.

 

لا تراهن قصيدة الزويتني على اللغة ومخزونها المعجمي والثقافي والإيديولوجي فقط؛ بل تنفتح على مجالات علميّة تبتعد من الشّعر لتقترب منه، نافثة روحها بين ثنايا السطور؛ ما يسم شعره بسمات فنيات جديدة، مثلـمـا نـجد في نصّ أحد عشرة أحدب:

أغرز في رأسي أنابيب

تتناوب غوريلات على النفخ بقوة فيها

فيتشكل هولوغرام:

تواريخ وجغرافيا وأنساب..

وblabla

هولوغرام العالم

 

وهو ما يجبرنا على تتبع المعاني الإيحائية لهذه الـملفوظات الـتـي تنـزاح بالنصّ عن اللغة البسيطة الملاحظة للوهلة الأولى لتورِّطَ المتلقي في دلالات لم تخطر على باله للوهلة الأولى. نصادف في نصوص كثيرة، رمزيّة ساخرة، تستحضر الحيواني والدينيّ والمعرفي والأسطوري؛ لتنتصر في الأخير للإنسانيّ والإنسانيّة التي يحمل الشاعر هـمّها. يـحـسّ الشاعر وهو يـحمل صـخرة سيزيف، بأنّ القصائد المسالمة الـخانـعة اليقيـنـية لا تنفع في مساق رهيب تتحوّل وتمسخ فيه الكائنات والأشياء، كما في قصيدتي: لا أحد يغادر حيا، وكافكا ضفدعة:

البارحة

على باب المقهى

أرتاده لا أدري

في الحلم أم اليقظة

تحولت فراشة صغيرة

 

نور الدين الزويتني

* مقتطف من دراسة حول ديوان «كيف تظل شاعرًا بعد 2012».

شاهد أيضاً

فاطمة عبد الله

ألاعيب دينا عبد السلام في «إعادة تدوير» .. فاطمة عبد الله

  عبر منطقة تماس بين دائرتين، تأتي مجموعة «إعادة تدوير» للكاتبة الدكتورة دينا عبد السلام.. …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية