ليس في رصيف الأزهار من يجيب .. مالك حداد

ليس في رصيف الأزهار من يجيب

 

كان خالد في اليوم التالي نفسه لوصوله إلى باريس يعرف أن هناك رواية آخذة في نسج خيوطها، سيكون المنفى بطلها أكثر مما يكون الإطار.

الخوف يكون عندما يندر الرجال. فخالد بم طوبال يحتاج إلى إعادة بناء حياته، لذلك اختار، وهو قداختار اختيارًا نهائيًا، إلا أنه يعرف الإفصاح عن الفروق الدقيقة. فضوء القمر حسير، أخضر. ونهر السين كأنه أنشودة. وثمة قط يحرص على أن يندس بين عجلات إحدى السيارات. وهناك كلب يتبع خالد بعناد، وهو كلب لا رعاية له أو مجتمع يحميه.

لم يكن الليل قد هبط بعد. الزوج يحدث جلبة وهو يبول، وباب الحمام غير مغلق تمامًا، ومونيك في غرفتها، تخلع ثيابها. بيد أنها تسمع نجاوى الابتذال، تلك الأمور اليومية التي أصبحت مألوفة جدًا. والحب الذي لا يمتنع دومًا على هذه المودة نفسها.

وجون مونيك هو، وحده، ومهدها. وصدرها يضج رغبة في الصراخ.. إنه شعر، كل ما في المرأة شعر وإن كره ذلك الأميون.

فالصديري غيور، وأحيانًا يكون الانفعال الجياش في الصدر وجدان قصيدة لم تكتمل.

مونيك تعرف أن تكون جميلة.

ها هي تتجرد من حشمتها وتندس في الليل. إن مشد نهديها وردي. والكرز وردي كذلك. أما الصمت فلا ينطوي إلا على الحب. وينتهي الشعر. كان ينبغي أن يبول بأناقة.

***

وتنظر مونيك إلى صدرها. وعلى الرصيف، ينظر خالد إلى السين. وتلامس مونيك خصريها برفق كما لو كان خصراها هما السين. ويسقط القناع فتبرز المرأة. فهي تعلم بأن بطنها قربان، وأن فخذيها تنتظران سيطرة الإمبريالية التي لا تأتي إلا من القوة، أما الآن فالمهد أسود وهو دعي في غموض. ويواصل السين سيره الهوينا. وتنذر السماء بالمطر.

وها هي مونيك عارية. لقد رقصت فوق الرؤى. وهي لا تزال تلامس خصريها برفق. تتيه بنفسها عجبا.

الحب، يا له من عجب.

وسيمون يريد مطارحتها الحب.

ومونيك تخاف دائمًا هذه اللحظة.

فقد كان سيمون بدينًا، قصيرًا، ترتجف يداه في تلك اللحظة.

ألقى خالد سيجارته في السين وقرع الجرس. وكانت مونيك هي التي جاءت تفتح الباب.

***

كان مبذلها ينم عن نضرتها. إن النظرة الأولى هي التي تكون ذات قيمة. وكا خالد يرى بسرعة وبدقة، وكانت الأرضية الخشبية (الباركيه) جد صقيلة. وفوق البيانو قط فارسي، بزرقة القمر يحلم، وفي ركن من أركان غرفة الجلوس طاولة من السيراميك، تحمل منافض للسجائر ذات ألوان متعددة.

ـ أستميحك عذرًا، أنا صديق لسيمون. أظنك السيدة كويدج؟

فأجابت مونيك بابتسامة.

ـ ذنبي لا يغتفر مرتين. أولاً لإزعاجكم في مثل هذه الساعة. ثم لأنني لم أقدم نفسي: اسمي بن طوبال. خالد بن طوبال…

عندما لمح سيمون خالدًا تجلت في عينيه نظرة جوفاء كمن يخرج من العتمة فيستقبل في عينيه، مباشرة، دفقة من النور:

ـ أهذا أنت؟

ـ لا أخفي عنك شيئًا.. أجل ها أنا ذا. كنت مارًا من هنا..

ـ ولكن ماذا تفعل في باريس؟

فكر خالد لحظة طويلة وهو يجلس على المقعد الذي يقدمه سيمون، على حين كانت مونيك صامتة ولا تزال واقفة خلف زوجها، واستيقن خالد من أنه يعكر صفو نظام قائم، ويقلب رأسًا على عقب عشر سنوات من العادات الطيبة القديمة.. وكان صمت مونيك مثقلاً.

وسأل سيمون:

ـ لماذا تبتسم؟

ـ لأنني أخال نفسي وكأنني هبطت عليكم كالشعرة في الحساء..

ـ إنك مجنون.. ومن ناحية أخرى فالحساء ستقاسمنا إياه. ولكنك لم تقل لي بعد ماذا تفعل في باريس…

ـ أحج.

ـ وهل تمكث زمنًا طويلاً؟

ـ أجهل هذا.. بقائي مرهون بالحرب، فهي تقرر نيابة عني.

ولم يلح سيمون في السؤال.

في غضون فترات منتظمة تقريبًا؛ كانت مراكب النهر البخارية تغمر جزيرة سان ــ لوي بأنوارها. والليل يعدو فوق السطوح في غمرة من الأسرار. وإذا بفتاة، تظهر، جميلة، كالصورة. إنها نيقول بسنواتها الأربع تختال في بيجامة زرقاء، فتفرست في وجه خالد ثم اندست في كنف والدها. ذلك أن الصلة لم تقم بعد بينها وبين خالد. فالأطفال يحبونه عادة.

ـ حسنًا! أنا عندي ثلاثة: صبيان وبنت…

ـ إنك تمضي مسرعًا.

ـ كلا إنما أنا على عجل من أمري.

جالت كامات خالد طويلاً في خواطر سيمون. فقد كان يُحمِّل كلماته الرصانة المؤلمة، المربكة، كمن يضفي على نفسه طمأنينة أولئك الذين يشيخون قبل الأوان، والذين يتجنبون الكلام قدر المستطاع حتى لا يقولوا شيئًا. كان يحدث له، هكذا أحيانًا، أن يعبر بجمل قد يظن أنها متكلفة ومعدة إعدادًا دقيقًا، بينما كانت تتدفق عفوية، طبيعية.

ـ أهي العودة إلى المنابع؟

ـ كلا (أجاب خالد) إنه الحساب.

عادت مونيك بعد أن أنامت ابنتها. ولاحظ خالد أنها غيرت هندامها. كانت ترتدي تنورة مثناة، سوداء، مرصعة بأزهار حمراء وصديرية بيضاء، بسيطة كل البساطة، ونظيفة كل النظافة، كفتاة صغيرة من أسرة طيبة. كما لاحظ أنها تبرجت من جديد. ولاحظ خاصة أن يدها الطويلة، الشاحبة التي كانت موضوعة على كتف سيمون لإظهار الألفة، يخيل له أنها يدٌ هجومية. وهكذا أعلنت الحرب الباردة بين امرأة صغيرة طيبة، جميلة كل الجمال، وبين شاعر كان يحج.

واستيقظت شخصية المنتصر في خالد. فالمبارزة بدأت. ولا بد له من أن يتخير أسلحته من مستودع وسائله: اللطف. ثم لا بد له من فرض هذه الأسلحة. أما سيمون فإن طبيعته الحدسية جعلته يحتمي في التجريد. غير أن العشاء كان بديعًا. وقامت مونيك بنقد آخر كتيب لخالد نقدًا قاسيًا. على حين أخذ خالد يتلهى بهذا النقد. إن المداهنة كانت جد واضحة. ذلك أن المرأة عندما تصبح غير منصفة تكون قد تقهقرت بلا شك. وكان الحساء جيدًا واللحم طريًا والصفاء يغمر رصيف الأزهار. وصفارات سيارات البوليس وحدها التي كانت تنبعث من ناحيتي فندق المدينة وكنيسة نوتردام، تذكر بأن المشاكل، جميع المشاكل، لما تزل مطروحة. ويستوي مربع أجمل مدينة في العالم في مكانه، فباريس لا تحلم ليلاً. بيد أنها، هنا كانت الواحة. وقال خالد:

ـ هذا المساء سوف لا نتحدث في أمور جدية.

لم يكن يهرب من مواجهة الحقائق. لكنه كان يرى أنه لا فائدة، لا بل أنه لمما خالف الآداب، أن يجعل موضوع الحديث يدور بين الكمثرى والجبنة، في آخر المأدبة.

وعوضًا عنه، فالمدرسة القديمة التي تشرف على الرمال Rummal والأزقة المضطربة وضاحية لامي الجاثمة فوق الهضبة، إن جميع هذه الاماكن التي تقبع في مكان عميق من الذاكرة، هذه الموضوعات جميعها انتقلت برصيف الأزهار بعيدًا عن محاذاة السين ومونيك. مونيك الباريسية التي لم تكن تعرف الجزائر صارت، بل وأحست، أنها غريبة. لقد أدركت الخطر فامتقع لونها عندما سمعت خالدًا يسأله بصوته الخفيض، ذي الوتيرة الواحدة:

ـ يا عزيزي سيمون ألا تعتزم العودة إلى بلادنا ذات يوم!

ـ إلى بلادنا؟

ـ وردد سيمون كلمة «إلى بلادنا» كأنما كانت عبارة مجردة من أي معنى، ومن أي محتوى ملموس.

ـ إلى بلادنا.

إن شفتي خالد اعتراهما انفراج يعبر عن نفاد صبره، وعن عنائه، في شرح حقائق بديهية.

ـ أجل إلى بلادنا! لا أظن أن رصيف الأزهار هذا أمر جدي.

ومع ذلك كان رصيف الأزهار يظهر بمظهر الجدية. فالأستاذ المحامي سيمون كويدح، المحامي في المحاكم العليا، يملك شقة رائعة الجمال. ومع ذلك فالأستاذ المحامي سيمون كويدج، المحامي في المحاكم العليا، يعبر عن تجاحه بلوحة نحاسية تقوم خادمة البيت على تلميعها كل صباح. ومع ذلك فالأستاذ المحامي سيمون كويدج، المحامي في المحاكم العليا، غير الآن سيارته واشترى دارة ريفية في سان ــ لونير في مقاطعة بريتانيا التي لم تكن مسقط رأسه، يقضي فيها أيام راحته. ومع ذلك فالأستاذ المحامي سيمون كويدج، المحامي في المحاكم العليا، تزوج امرأة جميلة، اسمها مونيك، ذات عينين زرقاوين، زرقة صافية، من أسرة حوت في شجرة نسبها أميرًا بحريًا ونائبين عموميين.

وألحق خالد وهو يكاد أن يكون قاسيًا:

ـ إن رصيف الأزهار هذا لا يبدو أمرًا جديًا.

إذ أن الأستاذ المحامي سيمون كويدج، المحامي في المحاكم العليا، كان قد تغنى ببلاده وبآلامها وآمالها مدة نقرب من عشر سنوات، عندما لم يكن الأستاذ المحامي سيمون كويدج قد أصبح بعد محاميًا لدى المحاكم العليا. وذلك أن شبابًا من الجزائر قد أنشدوا شعره فيما مضى، وخالد نفسه روى لأمه التي لم تكن تعرف القراءة والكتابة بعض أخبار سيمون كويدج.

ذلك أن خالد بن طوبال، الصحفي والكاتب المنفي، أمسى مصيبة وافدة حلت بزوجين سعيدين، ليست لهما مشاكل، ولكن التاريخ لا يعبأ بهذين الزوجين.

بعد أن استأذن خالد بالانصراف؛ لم تكن مونيك مع سيمون في يوم من أيام حياتها أرق منها في تلك الليلة.

* مقتطف من رواية «ليس في رصيف الأزهار من يجيب».

* ترجمة: ذوقان قرقوط.

* مالك حداد: (1927 م – 1978 م) شاعر وكاتب وروائي جزائري. ولد بمدينة قسنطينة وفيها تعلم. ثم سافر إلى فرنسا ونال الإجازة في الحقوق ولما عاد أصدر مجلة «التقدم» وشارك في الثورة الجزائرية.

تميز إنتاجه بنفحة فلسفية. من أعماله: «المأساة في خطر» و«الإحساس الأخير» وديوان «أنصتي وأنا أناديك» وكلها بالفرنسية.

أعماله:

Le Malheur en danger (poems), La Nef de Paris, 1956; Bouchène, 1988 (with an illustration by M’hamed Issiakhem).

La Dernière impression (novel), Julliard, 1958

Je t’offrirai une gazelle (novel), Julliard, 1959; re-edition 10/18

L’Élève et la leçon (novel), Julliard, 1960; re-edition 10/18

Le Quai aux Fleurs ne répond plus (novel), Julliard 1961; re-edition 10/18

Les Zéros tournent en rond (essay), Maspero, 1961

Écoute et je t’appelle (poems), Maspero 1961

شاهد أيضاً

In the windward of isolation pavement .. Amal Radwan

Translator: Hassan Hegazy The unknown that is buried behind my heart I much fear it …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية