ليالي الغربة .. آلاء حسن

 آلاء حسن

 

كنت في الثامنة عشرة من عمري، حينما أتيت لأول مرة إلى القاهرة، لأنني أصبحت طالبة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، لم أكن أتخيل يومًا بهذا ولكنه حدث، بعد محاولات إقناع من والدي وأختي، بأن تلك الكلية هي الأنسب ليّ، وخاصة بعد عدم قدرتي على الالتحاق بالكلية التي كنت أحلم بها.

ومن يومها وقررت إقناع نفسي بكل الطرق أنه لا خيار آخر أمامي سوى القبول بهذا الأمر، رغم مروري تلك الفترة بمحنة مرض والدتي، والتي تحججت بها لوالدي، وكان رده حينها: «هتعمليلها إيه.. هي بقت كويسة الحمد لله، وأنا وأختك معاها.. روحي شوفي مستقبلك».

جاء معي أبي وأختي لتقديم ورق ترشيحي للكلية، وأنا لم أستوعب بعد هذا الأمر، وكانا حينها منبهرين بالكلية وبالأخص أختي «آية» التي مازحت والدي حينها بقولها «رمتني في طنطا يا بابا»، لكنني كنت في حالة صمت وترقب لما يحدث لي بعد ذلك وكأنني أشاهد فيلمًا وأنتظر تتر النهاية.

انتهينا من تقديم ورقي بالكلية، وقرر والدي اصطحابنا لمنطقة وسط البلد، وظل يسرد لنا معلومات عديدة عن بعض المباني، وفي الحقيقة أنا لم أتذكر ما قاله بالتحديد، ولكن تظل تلك المنطقة حتى الآن هي المحببة إلى قلبي، وبعدها دخلنا مطعم جروبي وأتذكر جيدًا أننا تناولنا آيس كريم.

وبعد عدة أيام جاء موعد تقديمي للالتحاق بالمدينة الجامعية، وأتذكر يومها لم يتمكن والدي وأختي أيضًا من الدخول معي، ودخلت بمفردي، وأنهيت كل الإجراءات المطلوبة وتعرفت أيضًا على البنات اللاتي سأسكن معهن، وخرجت لأخبر والدي وأختي بأنني أتممت كافة الإجراءات، ليتركاني بعدها إلى عالم الغربة.

رأيت دموع أختي في عينيها، وهروب أبي حينها من أن ينظر إليّ ويشعرني بذلك، لكنه نصحني بتجنب المشاكل والسعي لتحقيق هدفي فقط، وعدم الشكوى له ومواجهة الحياة، ومن يومها أصبحت أعتمد على نفسي.

منذ صغري والجميع وبالأخص والدي ووالدتي كانوا يكررون لي أنني قوية وأستطيع فعل أي شيء والرد على أي شخص دون خوف أو تردد، اعتمدت طوال الأربع سنوات أثناء إقامتي بالمدينة الجامعية على تلك الكلمات، حتى انتهيت من مرحلة الجامعة دون مشاكل صعبة مثلما كنت أشاهد وأسمع.

وتعتبر لحظات ترك المدينة، بعد الانتهاء من السنة الرابعة والأخيرة بالكلية، من أصعب الأيام التي مررت بها، ليس فقط لشدة تعلقي بالمكان، بل لارتباطي برفيقات السكن، والليالي التي كنا نقضيها نسهر نضحك ونلهو ونتحدث كثيرًا، لدرجة أننا كنا نفضل الكلام والسهر عن النوم رغم حاجتنا له لكي نستطيع القيام مبكرًا واللحاق بمحاضرة الساعة التاسعة.

طوال أربع سنوات الكلية، كنت أنتظر الإجازات الأسبوعية، وإجازات نصف وآخر السنة، لأتجه إلى مسقط رأسي مدينة المحلة الكبرى، وبعد انتهائها أعود لاستكمال رحلة الدراسة.. انتهيت منها سريعًا وتخرجت رسميًا، وقررت استكمال دراستي والالتحاق بالسنة التمهيدية للماجستير، بحثت عن سكن لأقيم فيه، ووجدته بسهولة مع عدد من صديقاتي، وكنت أعتبر أن تلك الفترة هي فرصتي لإثبات ذاتي أكثر من قبل، بالبحث عن عمل أو تدريب، حتى وجدت فرصة بجريدة «الدستور»، كنت أقضي أكثر من 7 ساعات بمقر الجريدة، وبعدها أنزل للتمشية بوسط البلد مع رفيقة الدرب «أشرقت»، ثم أعود لمقر السكن لأذاكر لامتحانات القبول للتمهيدي، واجتزت الاختبارات بنجاح.

وحتى اليوم أقيم بنفس مقر السكن الذي أعتز به كثيرًا، لكنني قررت الرحيل عنه والبحث عن آخر أنسب، طوال الـ24 ساعة الماضية تملكتني مشاعر مختلطة بين الفرح لأنني سأقيم بمكان جديد، وأخرى حزن لتمسكي بالمكان الذي ظللت فيه لمدة سنتين و3 أشهر، وترك بعض صديقاتي اللاتي أحبهن كثيرًا، وكنت أعتبرهن كأخواتي حقًا.

لم أعلم لمتى ستظل حياتي هكذا، بعيدًا عن أهلي، وكل فترة أعيش مع أشخاص مختلفة، كلهن لديهن نفس الظروف، ويعانين من عدم الاستقرار، الكثير يحقد علينا لأننا في اعتقادهم «أحرار»، لكنهم لا يعرفون أن الحرية ليست شيئًا جميلًا كما يظنون، وليست سهلة، لكنها مؤلمة أحيانًا كثيرة بسبب المعاناة التي نعيشها مع من حولنا.

لا زلت أنتظر تتر نهاية هذا الفيلم، رغم أن ملامحه لم تظهر بعد، ولكنني على أمل أن ينتهي الفيلم سريعًا أيًا كانت النهاية لأنني تعبت، قد تبدو قصتي للبعض واعترافي بها ضعفًا، لكنني أعلم أنني قوية، ولكنني أبحث فقط عن الاستقرار.

شاهد أيضاً

سيومي خليل

عن كرة القدم بين الشمس والظل .. سيومي خليل

  كتب الكاتب الأورغواني غاليانو كتابا جميلا عن كرة القدم اسمه «كرة القدم بين الشمس …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية