للروح حسابات أخرى .. وائل خورشيد

وائل خورشيد

 

رحلة الأرواح يا لوسيفر طويلة وممتدة، لا نعرف متى بدأت تحديدًا، ولكن الأغلب أنها كانت موجودة قبل كل شيء، ربما عمرها أطول من عمر الأرض نفسها، كانت هناك في مكانٍ ما، ثم ما إن تهيأت لها سبل الحياة في رحم الأم، حتى بثها الله هنا، وستواصل بعد ذلك رحلتها، ثم تنطلق وحيدة لعالم البرزخ، ثم ما بعده من خلود.

مشوار سفر الروح طويل جدًا إذا ما حسبناه بأسلوب العقل البشري، لكنها في الحقيقة لا تحسب بنفس عمر زمان الأرض، حتى أن العلماء أثبتوا أن ما يجري علينا هنا لا يحدث خارج هذا الكوكب، والروح ليست من هنا، وبالتالي لا تجري عليها أنماط خلقنا، وفترة عمر الإنسان التي يشعر بطولها ربما هي للروح أيام.

للروح حسابات أخرى يا لوسي، ولأنها لا تعترف بزماننا ومكاننا، فإن تدخلاتنا في طريقتها للنظر للأمور لا تعنيها كثيرًا، فهي لها نظرتها ووجهتها وطريقتها في التعاطي مع الحياة.

كنت أتحدث مع أحد الاصدقاء عن أن البعيد عن العين بعيد عن القلب، ثم اتفقنا على وضع استثناء، وقلت إن هناك البعض، ولا أعرف السبب، تكون علاقتك بهم ممتدة، لا يتخللها فترات غياب، وإن حدث في الواقع فعلاً، ولكن ساعة اللقاء، ستظن أنكما لم تغيبا عن بعضكما كل تلك الفترة، ستشعر كأن آخر لقاء لكما كان البارحة.

أنا مؤمن أن كل شيء في الحياة هو كائن حي، مهما تم التعديل والتحوير في شكله وإدخال مواد أخرى، ففي النهاية كل شيء منفصل له شخصية وله كيان، مهما كان خفيًا لدرجة لا تدركها، ولأن كل شيء كذلك، فهو له روح خاصة وهي من تحكم علاقتك به.

قد نحب، أو نكره، قد نختار شخصًا بالعقل أو بأي وسيلة، لكن وحدها الأرواح هي القادرة على الاستمرار، هي التي لا تنخدع بالشكليات التي قد تدخل على العقل أو القلب وتشوشه وتجعل اختياراته خاطئة.

أنظر لدولاب ملابسك، أشيائك التي تحبها، قد لا تكون الأغلى أو الأحدث، وقد تكون مزعجة جدًا، لكن مع ذلك ستجد نفسك ترتاح معها أكثر، وأنت لا تفهم السبب.

أنا مثلاً، أملك تيشيرت ما، عمره يصل لأربعة عشر عامًا، أصابه بعض التلف، لكن أحبه، أرتديه في المنزل، لديّ مجموعة معينة من الملابس لا أرتدي سواها، أشعر أنها صنعت من أجلي، وأنها قادرة على احتوائي.

الروح تدخل في كل شيء، سيارتك التي بها بعض العيوب، ولكنك تفهمها وتتواصل معها بشكل ما، إذا حاول غيرك قيادتها تظهر له المشكلات من كل اتجاه. الطعام، لا يكفيك معرفة الطريقة الدقيقة لصنعه، ولكن أن تشارك روحك مع المقادير، كل عمل أكتبه، هو نتاج مزيج مني متكامل، نثرته على ورق أو أي وسيلة كتابة أخرى.

هناك ارتباط يحدث دومًا بين أرواح كل شيء حتى البشر. مثلاً، لي صديقة، التقيتها لآخر مرة عام 2009، أي قبل عشر سنوات، ومصادفة قدرية أن ألتقيها قريبًا في مكانٍ لا أنا كنت أفكر أن أكون فيه وقتها، ولا أزوره من الأساس، وهي كذلك، حينما جلسنا نتحادث، أنا لم أشعر أن سنوات طويلة مرت، حتى لا أذكر متى توقفنا عن الحديث ولا لماذا، فقط جلسنا وكأنما لم تمر كل تلك السنوات، ربما المتغير الوحيد أني لست أعرف عنها الكثير مما حدث خلال تلك الفترة.

ربما تلك النظرة من ناحيتي فقط، ولكن لا أظن، لأن الأرواح حينما تتآلف فإن حكمها لا يكون مشوشًا مثلنا، وربما سبب عدم الإحساس بكل تلك السنوات هو أن الأرواح  كما ذكرت لها حسابات زمنية أخرى، فعشر سنوات في عمر الأرواح قد تكون دقائق في عمر البشر.

نحن لا نختار من تتآلف روحنا معهم، ولا نبحث عنهم، فقط نعرف ذلك حينما يحين الوقت المناسب. أنت مثلاً يا لوسيفر، مهما حاولت، لا تتآلف روحك مع البشر، بغض النظر عن كونك بغيضًا، إلا أن هناك شيئًا آخر، ربما روحك ملعونة مثلك.

* من حكايات «نفسي ولوسيفر».

شاهد أيضاً

وائل خورشيد

29 سنة .. هكذا عشت .. وائل خورشيد

  أتكاسل حتى يكاد كل شيء ينهار، ثم أثب وثبات طويلة تسبق الجميع، ثم أقف …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية