لقاء .. وائل خورشيد

وائل خورشيد

 

استوقفها بعد حين.. ونظر، صمتت قليلًا ثم تكلمت:

ـ حسنًا.. من أنت؟

ـ شخص ما يحبك.

حدقت في عينيه، احمرَّت وجنتاه:

ـ يبدو أنّ ما قلته أزعجكِ.. أعتذر.. سأنصرف الآن.

ـ انتظر، منذ متى؟

أجابها والنور قد أشرق في عينيه:

ـ منذ زمن.. حتى قبل أن أراكِ، جاءني طيفك قبل أعوام، حدثتني نفسي عنكِ، انتظرتك طويلًا، حتى كانت الصدفة دليلي، لم أراكِ قبل أنّ أكلمك الآن، الحقيقة لم أراكِ حتى الآن، كنت أمرّ بجوارك، شعرت أنّ صندوقًا بداخلي قد انفتح، عدت بالزمان، راودني نفس شعور اللحظة الأولى، في البداية لم أفهم ما الأمر، تبعت شعاعك، ظللت أتبعه، وأنا لا أرى شيئًا، حتى وجدت نفسي أمامك، فقلت أنا أحبك، لم أفهم لم تحديدًا ولا متى أحببتك، لكن فهمت أنَّه أنتِ.

لماذا أحبك؟ الجواب بسيط.. لأنّني أحبك، وهل أحتاج لأسباب كي أحب، هل يجب أنّ أنتظر حتى يمرّ عمر، أو أن ننشئ علاقة طويلة ممتدة تنتهي بقصة. الأمر بسيط.. أنا أحبك، لم أطلب منكِ شيئًا، لم أقل أحبيني، يكفيني أنّ أحب، وأنّ يكون في قلبي هذا النور، لا أطلب أكثر، حتى لا أشعر أنّ ما لدي قليل، فإذا حصلت على الأكثر أشعر أنني ملكت الدنيا، ولو لم أحصل، فيكفيني أنّ أحتفظ بما لدي، وأنّ أنسج منه كل يوم أساطير وحكايات، هل سألتك جوابًا؟! أعتقد أنني لم أفعل.

احتفظي بقلبك لنفسكِ، فلن يضرّني ذلك، أو احفظي قلبك لي، فكم سيفيدني هذا، أو احفظيه لدي، فهنا المكان والعنوان، لقد وصلتي إلى راحتك. لكن أنا لا أجبركِ على شيء، لا أريد أنّ أكون مثل العاملين في مجال التسويق، أؤكد لكِ حاجتك للمنتج، حتى ترتمي في أحضاني خاطبة ودي، حتى أمنحه لك بأفضل صفقة ممكنة، فقلبي لا يُهدى، في الحقيقة، قلبك أيضًا لا يُهدى، القلوب تجتمع فقط، حينما يريد القدر ذلك، لكنَّها لا تتقرب بقرار من هذا أو ذاك، أو باحتيال.

يا الله، هل تتصورين هذا؟! أنّ أحتال لأسرق قلبًا، أتتخيلن أنّ هذا الشيء الرقيق مصدر سعادة وتعاسة البشرية كلها يباع ويشترى، وحتى ليس بقيمته الحقيقية، بل باحتيال.. لا يمكنني أنّ أصدق هذا ولا أقبله. ثم هل أبيع قلبي؟! لا أظن، بالتأكيد علامات الحب مرسومة على قسمات وجهي، وفي جيبي هاهنا مفتاح الجنة التي أعددتها لي ولرفيقة قلبي، بيت صغير مصنوع من الخشب على ضفة النهر، واجهته زجاجية بالكامل، ثلثه السفلي داخل المياه، ألوانه تقترب من ألوان الطبيعة، ومكتب صغير عن يمين الغرفة الكبرى، وخلفه لوحة معلقة على الحائط لفتاة جميلة رقيقة، لم توضع صورتها بعد.

انتظري.. إنّي أراكِ هناك، ترتدين فستانًا قصيرًا لونه أبيض ممزوج ببراعة بلون بشرتك الخمري، تتحركين في المكان كالغزالة، وأنا أراقبك من تحت الماء، من هذا الثلث الأخير، أراكِ تحضرين شيئًا من أجلي، أرى شيئًا تخبئينه لتفاجئينني في ليلة ذكرى ميلادك أنتِ، تريدين أن تهديني شيئًا لأنني عبرت بكِ إلى جنتنا، لأنَّني عثرت عليكِ وسط الطريق، بينما كنتِ تائهة كعصفور يشعر بألم في جناحه يمنعه من الطيران، داويتك. أريد أنّ أخبرك أنني لم أفعل هذا لأجلك، لقد فعلت هذا بأنانية شديدة، فقد خشيت أنّ تؤذيكِ أقدام هؤلاء البشر الذين لا يبالون لشيء، فعلت هذا حتى أحافظ عليكِ لي.. لا لأجلك، لم تتحرك إنسانيتي تجاهك، لأنني في الحقيقة لم أكن لأفعل هذا مع غيرك، أنا فعلت هذا من أجلي أنا.

لن أطلب منكِ أنّ تفكري في شيء، ولا أنتظر جوابك أو رقم هاتفك أو… «انتظر قليلًا» وقالت بابتسامة عذبة تعني القبول المسبق:

ـ أتريد أن تتزوجني؟

نظر لها بانتباه شديد.. ثم حول نظره نحو الأرض لثوانٍ معدودات، ثم رفع رأسه نحو السماء، ودعك فروة رأسه بيده اليمنى، ووضع اليسرى على أوسط جسده، وأرخى قدميه قليلًا، وحرك اليمنى للأمام. ثم أعاد النظر لها.. تحديدًا في عينيها، وقال لها:

ـ حسنًا دعيني أفكر.

آثار الصدمة كانت واضحة على وجهها، لم تصدق ما تسمع:

ـ أنت تمزح.. صحيح.. تمزح؟

ضربته في كتفه بقوة، وبدأت الدموع تسيل من عينيها.

ضحك.. ضحك كثيرًا، ثم قال:

ـ رأيتك في خيالي بكل الصور الجميلة.. لكن لم أتصورك يومًا في حالة الغضب.. وكنت أحاول أنّ أطمئن على نفسي كيف سيكون حالي معكِ إن غضبتي، وعرفت الآن أنكِ في غضبك أشد جمالًا من وداعتك.

بدأت تمسح الدموع عن عينيها، وهمَّت بالرحيل، تركها قليلًا، وهو يقف على جانب الطريق مبتسمًا كالأبله، ثم ركض وراءها، وأمسك ذراعها اليمنى فاستدارت له:

ـ أما عن سؤالكِ.. ما رأيك في أنّ نتم الأمر اليوم.

تبدلت الأحوال، للدرجة التي جعلت هذا اللبق الذي خطف قلب الفتاة، شاحب الوجه. ظل وجهها ثابتًا، تنظر نحوه، تكاد سهام تخرج من أعينها العسلية تخترق جسده:

ـ أتعرف ماذا كنت أخبئ وراء ظهري؟

ـ عن ماذا تتكلمين؟

سألها.. استكملت حديثها:

ـ هذا الشريط، لقد دونت كل شيء عنك بصوتي، رأيتك قبل أن تراني، إن كنت تظن أنك احتلت على قلبي فأنت واهم، أنا أمر من هنا كل يوم منذ.. اممممم.. أربعمائة وخمسة وعشرين يومًا وثلاث ساعات، أحمل الشريط في يدي وأنتظر أن تراني. أمازلت تسألني الجواب؟

شاهد أيضاً

سيد أبو ليلة

العزا .. سيد أبو ليلة

  مشهد مسرحي رجلان يجلسان في سرادق للعزاء.. والصمت يعم – هي الساعة كام؟ = …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية