كيف صار المهندس كاتبًا (2-2) .. علي إبراهيم دريوسي

 

حين بدأتُ بكتابة الخواطر منتصف عام 2015، كما يفعل الآخرون في الفضاء الأزرق بهدف التسلية والاسترخاء من يوم العمل الطويل، فاجأني بعض الأصدقاء الذين لم أرهم في حياتي بتعليقات إيجابية. كتبوا مثلاً:

(أحسدك على هذه الطفولة، كانت طفولتي مملة، كان السائق العسكري يأخذنا صباحًا إلى المدرسة ويعيدنا مساءً منها إلى البيت، في العطلة الصيفية يكون والدي قد اشترى كتب السنة القادمة فندرسها صيفًا، لا أذكر أَنَّ ركبتي جُرحت ولو لمرةٍ واحدة، ولم يرسلني أحد لاملأ له بطحة العرق، الحقيقة هذه المرة الأولى التي أعرف فيها أن البطحة يمكن تعبئتها أكثر من مرة، ولم تكن لدي نظارات، أعرني نظارتك يا صديقي على الأقل كي أشعر بقليل من العدالة.

ما تكتبه جميل ومدهش ولا يمر على قارئه مرور الكرام، كم مرة قرأتك وبكيت أو شعرت بغصة القهر أو أنني أريد أن أمد يدي للولد لصغير هذا المسمى “أحمد” في كتاباتك وأُنظِّف ركبته المُدَمَّاة. أشعر برغبة الهروب من البيت عندما أقرأ ما تكتبه، أشعر أني معصبة وأريد المشي لوحدي، كأنّك تحكي لي عن بلد ما عرفته، سمعت عنه من بعيد وأنا عشت فيه وما عرفته.

ضع صوتًا لتلك المرحلة يا صديقي فلقد تعبت شخوصها من تحريك أفواههم كمن يتكلمون ولا صوت يخرج منهم. أنت تكتب من دون خجل مما اعتاد ناسنا هناك الخجل منه وهم لا ذنب لهم فيه، تكتب عن الفقر والقهر والحلم، تكتب عن هذه الأشياء بهذا السرد الممتع، أحب ما تكتبه وليسمّه الآخرون ما شاؤوا.

حقيقةً أجد ما تكتبه عن تلك المرحلة في حياتنا مهمًاً جدًا، إنه السيرة اللامكتوبة والرواية غير الرسمية عن حياة جيل منا، إضافة للغة وأسلوب السرد الرائعين، لا أعرف كم نصًا لديكَ من هذه السيرة، لكني أجدها تستحق أن تكون بين دفتي كتاب.

أتابع ما تكتبه من قصص عن ذاكرة المكان، فيها الكثير من التوثيق والطرافة والمتعة، وبأسلوب أدبي آسر ببساطته وجزالته في آن، سردًا وحوارًا. ولكن لديّ سؤال: هل سبق لك أن اِلتقيت بجدي وقد تُوفي عن عمر مائة عام؟ من المؤكد أنّه من أخبرك بقصته مع نعيمة، أم حسين، التي كانت تتوضأ على نبع القرية عند عودتها مساء من الأرض، وما فعلته أنت هو تغيير الأسماء فقط، يا الله كم هذا العالم صغير!

أثناء قراءتي لكتاباتك أشعر بنفسي أشاهد شخوصك وهي تتحرك ولم أتمالك أن أمسك نفسي ولا أضحك معهم، صحيح أَنِّي لا أعرف بسنادا ولكن العطلات الصيفية في كسب ومحيطها منحتني إطارًا مشابهًا جدًا لإطار حكاياتك. كلمات رائعة تستحق أن يطلق القارئ لنفسه العنان ويعود بأفكاره إلى طفولته الصاخبة، ويعيش لحظات جميلة أثناء القراءة وقد تمتد لبرهة من الزمن بعد انتهاء القراءة، ثم يقطع هذه الرحلة الطويلة سؤال خاطف يخرجنا من ذكريات طفولتنا إلى واقع أطفالنا: هل أطفالنا اليوم سعداء؟

للفقر في الشرق طقوسه ومعاناته، في كل بيت قصة موت بطيء، تواجد بيضة واحدة في ذاك البراد الخالي حتى من تبريده له معانٍ لا يفهمها إلا من كان شرقيًا. موت التبريد يعني فقدان المكونات الرئيسية للحياة. البيضة الواحدة هي حاكم جائر يمارس على الناس طقوس التجويع كي لا يفكرون بشيء آخر، كي ينحصر مجهودهم وتفكيرهم ويتبدَّد وقتهم في الركض وراء لقمة عيش مجبولة بالألم. حكاياتك تصوغ معاناة شعب الشرق عامة ووطننا خاصة.

أسلوبك في الكتابة ممتع ورائع، يدغدغ الذاكرة والمشاعر، مع أني لست ابن المنطقة ولا ابن الزمن ذاك، لكني شعرت كما لو أنني ذاك الطليعي الصغير في ذلك الباص الكبير. كتاباتك تذكرنا بالذي سرق فطرتنا وابتلع عفويتنا، أقصد طبعًا شحاطة البلاستيك والبوط العسكري.

دير الزور ليست مدينتي، ولكني أعرفها بشكل جيد، شعبها محب للمقاهي، للعب الشدة وطاولة الزهر، بعد نزوحهم إلى تركيا سُميت المقاهي الشعبية مقاهي الديرية. أما عن الرقة فليس لها ما يميزها سوى طيبة أهلها وسد الفرات، وهي بانتظاركم بعد أن ينزاح السواد عنها لأكل الثريد، وعندها بعد تلك الوجبة الدسمة سيكون المسواك ضروريًا جدًا.

كتاباتك جميلة، أحببتها، حروفها بَرّيّة مُتَمَرِّدة، محلية ساحلية لم تستطع العولمة ترويضها، مؤثرة حتى أنني كدت أشم رائحة الريحان، مذهل خيال الطفل حين يعمل، واضح أن موهبتك الروائية مولودة معك وليست وليدة غربتك.

يشدّني سردك، يجعلني أعيش اللحظة بشغف، أعيش حب المكان والزمان اللذين فقدناهما وفقدنا معهما أحبة لنا، يجعلني ابتسم لأنَّها تُذكِّرني بطفولتي، بشقاوتي، لأنني كنت أحل مكان الصبي الذي لم يكن موجودًا، أقوم بكل مهامه، أذهب في اليوم مرات ومرات لأحضر أشياء ضرورية ومن ضمنها بطحة العرق وأحيانًا في وقت متأخر، ربما لهذا لا أعرف الخوف، وقعت مرات ومرات وحدثت معي قصص كثيرة لا تنسى، ننتظر المزيد من قصصك التي تعيدنا للماضي، تمتعنا ونحن نعيش ظرفًا استثنائيًّا وأزمة خانقة).

***

هذه الباقة المُلَوَّنة من التعليقات وغيرها كان لها صدى كبير في داخلي، لعبت دورًا هامًا في استمراري بفعل الكتابة، أشعر بنفسي مُدَانًا لها بجزيل الشكر.

عَلَّمَتني أنَّ سرد الذكريات بتناغمٍ أدبي هو مسئولية، من يبدأ بها عليه أن يستمر. عَلَّمَتني أنَّ الإبداع الفردي على الصُعُد كافة هو نتاج جماعي وليس فرديًا، كما يرغب الآخر تسويقه. علَّمَتني أنَّ القصص التي نعيشها أو نبتكرها والحكايات التي نستذكرها ليست ملكنا الخاص فقط، وإنّما قد تكون حكايات لشريحة واسعة من الناس. عَلَّمَتني أنَّ توظيف الذكريات بشكلٍ خلاّق غالبًا ما يساهم في إعطاء حياتنا معانٍ جميلة، أما توظيفها بشكلٍ عاطفي فإنه يقود حتمًا إلى الكآبة وربما الموت.

علمَتني أنَّ نفض غُبار النِّسيان عن تجربة إنسانية ـ معرفية ـ لشخصية ذات خبرة هو واجب أخلاقي تجاه المجتمع بالدرجة الأولى، شريطة أن يكون الصدق مع الذات قبل الآخر واحد من أهم مقومات هذا العمل، وهو بالدرجة الثانية نشاط إنساني ـ أدبي تحفيزيّ للراغبين بالتعلم عن طريق قراءة السِّيَر الذاتية أو الجماعية، النوع الأدبي الذي لم ينتشر بالشكل المطلوب بعد نتيجة للإخصاء القهري الذي نعيشه في ظل سلطات طوطمية دكتاتورية مُستَبِدّة، نتيجة لسيطرة الأصولية الظلامية الغبيّة والأنكى من ذلك بسبب فقرنا الثقافي ـ المعرفي. وإنْ حاول شخص ما بمفرده العمل على ملء هذه الثغرة الأدبية في عالم الكتابة فلن يستطيع تحقيق مراده، لأنّ ملأها يَتَطَلَّب حالة عمل أدبي جماعي مُنَظَّم.

عَلَّمَتني ماذا تعني الكتابة، كيف يستطيع الإنسان تَعَلُّمها، كيف يصبح الواحد منا كاتبًا هاويًا، شَجَّعَتني على إصدار كتابي الأول(اعتقال الفصول الأربعة)، رغم هواجس الخوف التي هاجمتني، لئلا تكون الحكايات التي كتبتها تستحق أن ترى النور الأدبي، إلى أن اهتديت مصادفة إلى الروائي حيدر حيدر، الذي قرأها مشكورًا، راجعها لغويًا، وأشار بما لا يدعو للشك إلى اِحتوائها على مضمونٍ أدبيّ جميل.

***

كي تصيرَ كاتبًا مبدئيًا في حقل الأدب ذات يوم، عليك أن تفعل الكثير، لكن عليكَ بادئ ذي بدء ألّا تخجل، عليكَ أن تقرأ، أن تشاهد أفلامًا متنوعة حتى الإباحية منها، أن تزور المسرح والمهرجانات والسينما، أن تجلس في المقهى هادئًا تراقب حركة الناس، أن ترى الشارع وشخوصه ومحتوياته وتفرعاته ومن يخاطبك أو يُحيّيك، أن ترى ما يحدث خلف نوافذ الجيران، أن تلمح الأضواء القادمة من بعيد حين تتسرَّب من بين الأبنية العالية المتلاصقة، أن ترى أيضًا ومن موضعك بداية ونهاية البحر، أن ترى رؤوس وبطون وأقدام الأشجار في الغابة المعتمة، أن تتقيأ ذكريات الطفولة والمراهقة كتابةً، أن تتقيأ أحلامك الليلية، الكئيبة والفرحة، المخيفة واللامخيفة، الصادقة والوهمية، ثم لتبدأ بتقيؤ أسراركَ، لكن ليس كلها.

عليكَ أن ترى بعين ناقدة فاضحة ما نحن فيه من حطام وإنهاك وإرهاق وإخصاء وهزيمة، عليكَ أن تقاوم بناء الجوامع كبديل عن الجامعات، عمليات الدهس والصلب، المِخْرَز، سِكّين الذَبْح، سلاح الخاطف، بَراميلَ الغَار، حَرِيق المخيمات، السيارات المُفخَّخة، شعارات الصُمُود والتصدّي، عليك أن تعلم أنّه لا يَفُلُّ المِخْرَزَ إِلاَّ المِخْرَزُ، ولا السِكّينَ إِلاَّ السِكّينُ، ولا الحَرِيقَ إِلاَّ الحَرِيقُ، عليكَ أن ترى الأفق من وراء الضباب، عليكَ ألّا تكون الدولاب الخامس في سيارة، ألّا تكون محكومًا بالأمل، ألّا تنسى أنّ العالم محكوم بالمال وأن تبسط يدك قدر الإمكان.

هذا هو ألف واو الكتابة على ما أعتقد.

من هذا الحين فصاعدًا تبدأ الكتابة خارجًا عن تجربتك الشخصية، تبزغُ في رأسكَ الجميل شمس الأفكار الجديدة، تأخذ أحاسيسكَ الأدبية الفعلية شيئًا فشيئًا بالتبرعم، فَتُتَرجَمُ دون تعبٍ إلى أزهارٍ بَرّيّة، إلى إبداعٍ لغوي، إلى كلمات، تشمُ عبقها ويشمونه، تدخلُ فيكَ وفيهم دون محطات استراحة، لتسري فيكَ وفيهم قشعريرةً لذيذة، لتصلوا معاً أقصى مراحل الاستمتاع والنّشوة والذروة، من بعدها تشعرون بالارتخاء وأحيانًا بالنعاس الشّفاف، بحسب زاوية الرؤية والقراءة ونوع الفهم والإسقاط ومداعبة النص، كما هي الحال في مبادئ الرسم الهندسي الميكانيكي ليصبح النص الأدبي عندها مجموعةَ نصوصٍ، نصوصٌ بعدد الذين يقرأونه ويستسيغونه مهما اختلفت مستويات ذكائهم ودرجة رهافة أحاسيسهم، فالنص الواحد حمّال أوجهٍ ولا يعرفُ قراءةً واحدة، ولأننا بدورنا لا نريد له التقديس، حتى تلك النصوص التي وُصمتْ بالتقديس ويُجمِعُ عليها البشر، تُقرأ بتباينات متعددة، وفقًا لاختلاف المجموعات البشرية وأنماط البشر ورتب الاستيعاب، فلا صوت يعلو على صوت الناسخ والمنسوخ.

وستبقى نصيحة الكاتب حيدر حيدر للكتَّاب الناشئين في واحدة من مقابلاته الصحفية حلقًا في أذني:(اِقرأوا كثيرًا واكتبوا قليلاً، تثقفوا لا في الأدب وحسب، بل في العلوم الاجتماعية والفنون، التاريخ، الفلسفة، علم النفس، التراث العربي، الأساطير، الشعر، علم الاجتماع، احتياز لغة أجنبية، هذه الأسلحة المعنوية، والذخيرة الثقافية، هي زاد الرحلة في صحراء الكتابة والتي في النهاية توصلكم إلى الواحة والينابيع). ‏

 

* سوريا ـ ألمانيا.

* من كتاب: من الرفش إلى العرش.

شاهد أيضاً

سيومي خليل

عن كرة القدم بين الشمس والظل .. سيومي خليل

  كتب الكاتب الأورغواني غاليانو كتابا جميلا عن كرة القدم اسمه «كرة القدم بين الشمس …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية