كيف صار المهندس كاتبًا (1-2) .. علي إبراهيم دريوسي

 

لم أكن أرغب بالكتابة في مجال الأدب، فهو لا يدخل في نطاق تخصُّصي، ثم لا وقت لديّ، الأدب لا يُطعم خبزًا، ناهيك أني لم أقرأ ما يكفي كي أكتب رغم فضولي للمعرفة، ثقافتي بسيطة، مفرداتي اللغوية محدودة، موهبتي الأدبية متواضعة، لكن تجربتي غنية قليلاً وقدراتي على استثمار حواسيّ الخمس عالية جدًا.

فهل تكفي صلادة هذه الأرضية الهشَّة لأبني فوقها كتابًا؟    

الثقافة، كما الأدب، هي اختصاص وعمل دؤُوب ومُحصِّلة ميكانيكية للتَّجارب الحَياتيّة. الاختصاصُ فِي الأدب وفي الثقافة ضروريٌّ كما في العلم، هذا إذا ما أراد الواحد أن يتَّمَكّن منه أو منها تمكُّنًا تامًّا. للثقافة أشكالها وأنواعها وفروعها ومنابِتها وطبقاتها، منها السَطحيّ والمُؤَقَّت والمُزَيَّف والمخادع المرائي، ومنها العميق والدائم والأصليّ والصَّادق، وما ينطبق عليها هنا ينطبق أيضًا على الأدب.

الكتابة في المجال العلمي، تحديدًا في اِختصاصي، أكثر أهمية بالنسبة لي، قرأت عنه وبحثت فيه ما يكفي مما هيأني لأكون بروفيسورًا في تصميم الآلات الميكانيكية في إحدى الجامعات الألمانية، ولأنني أحببت الهندسة، درستها وأُدرِّسها، بتّ أعرف أنه لا ينبغي على المُهندس أن يكون بالضرورة كاتبًا، لكن عليه أن يحترم من يكتب القصيدة والقصة والمسرح والرواية، عليه أن يكون قادرًا على فهم الأدب. الهندسة هي عقل العالم والأدب هو روحه، أو كما كتب الأديب الروسي مكسيم غوركي: العلم هو عقل العالم والفن هو روحه.

ما زلت أرى إلى الآن أنّ كتابة مقال علمي اختصاصي قوامه خمس صفحات باللغة الأم أو بلغةٍ ثانية هو عمل إنوفاتيفي تكثيفي مُعَقَّد طويل الأمد، هو نتاج قراءات واختبارات مُضنية قد تمتد إلى عامٍ أو أكثر، هو عمل لا يمكن مقارنته البتّة بكتابة القصيدة الشعرية أو القصة القصيرة. أهون ألف مرة أن تقرأ مجموعة قصص قصيرة أو مجموعة شعرية على أن تقرأ مقالاً علميًا، هندسيًّا أو فلسفيًّا أو اقتصاديًّا أو حتى اجتماعيّ المحتوى. لكني أعتقد أنّ كتابة رواية طويلة من الدرجة الأولى، التي تشبه مثلاً رواية طبل الصفيح للألماني غونتر غراس، هو عمل كبير يعادل من ناحية العمق والجهد المبذول كتابة إطروحة دكتوراه في الهندسة، بل يفوقها، من يكتب رواية من الدرجة الأولى يستحق أن يُمنح دكتوراه شرف في اختصاص الأدب. 

في النتيجة: من الخطأ أن نفصل الموضوع العلمي- المنطقي عن الموضوع الأدبي-الجمالي، كلاهما يتماسَّان ويُتمِّمان بعضهما بعضًا، كلاهما يشترطان توافر الإبداع والموهبة للممارسة والتألق، العمل الحثيث على تزويج الثقافة العلميّة مع الأدبيّة هو نقطة مهمة من النقاط الرئيسية لبناء مجتمع أقل عنفًا من مجتمعات اليوم.

  

كنتُ أقول لطلابي سابقًا: بوساطة نقاط متتابعة نستطيع أن نرسم خطًا مستقيمًا، لكن علينا الانتباه وتوخِّي الدقَّة عند رسم كل نقطة، كي يبقى الخط مستقيمًا. وحالما ألمح تركيزهم أتابع: لكن يمكننا طبعًا أن نُنتج الخط ذاته بسحبه بحركةٍ واحدة، بيدٍ هادئةٍ ومن دون نقاط.

وآن يسألني أحدهم: ما الفرق بين الطريقتين؟

كنت أجيب: يعمل المُهندسون وفقًا للطريقة الأولى، أما الشعراء فوفقًا للطريقة الثانية،وهنا يكمن الفرق بينهما!

واليوم أقول لطلابي: لا فرق بين الطريقتين، إنّهما مُتتامتان، كزاويتين مجموع قياسهما يساوي تسعين درجة. لا فرق بين المُهندس والشّاعر، المُهندس شاعِر العقل والشّاعِر مُهندس الروح، كلاهما لا حول ولا قوة له، كلاهما ينشد الفرح والأمنيات، كلاهما يصطحب الكلمات والخطوط إلى نزهات جميلة.

حالما ألمح دهشتهم أضيف: وهنا يخطر على ذهني ما كتبه مهندس الميكانيك والكاتب الألماني هاينريش زايديل قبل أكثر من مائة عام:

(تصميم الآلة الميكانيكية هو نَظْم شعْر. هذا ما قلته، عندما كان عملي في الورشة الميكانيكية، يعذبني ويثقل على صدري. واليوم أقود ريشة قلم حبري في نزهة فوق طاولة المكتب، وأقول: نَظْم الشِّعْر هو تصميم آلة).

وآن يأتيني السؤال: هل تثق بما يفعله الأُدباء كما تثق بقدرات المُهندسين؟

أجيب متفلسفًا، مُتيمِّنًا بما كتبه تقريبًا الكاتب الألماني- الصربي إرفين شتريتماتير:

(لا أتردَّد أن أضع ثقتي ببعض الأُدباء كما ببعض المُهندسين، لأني أعلم أنَّ هناك أديبًا يختبئ في أعماق كل مُهندس ناجح، وفي نفس كل أديب ناجح يختبئ مُهندس، ولأني أعلمُ أيضًا بأنَّ المُهندسين الحقيقيين يعرفون حق المعرفة أنّ فرضياتهم تحمل في طياتها أحاسيس ومشاعر شعرية، بالوقت نفسه ليس خافيًا عن الأُدباء الحقيقيين بأنّ أحاسيسهم ومشاعرهم هي عبارة عن فرضيات غير مُبَرهَنة هندسيًا، وكما الأُدباء أيضًا هم المُهندسون، لا يرتبكون، لا يحتارون، ولا يضطربون من التَغايُر والتَنَوُّع في الظَواهر والمَظاهر، ولا يعتبرون أنفسهم خصومًا ومنافسين ومعارضين لبعضهم بعضًا.

ثم أُنهي حديثي الترفيهي معهم قبل أن أبدأ بمحاضرتي عن تصميم الآلات، مُستشهدًا بكتاب(أسس الشعر المبنية على العلوم الطييعية)  الذي ألَّفه الألماني ويلهيلم بولشيمنذ عام 1887، مُوضِّحًا العلاقة بين الشاعر ومُهندس الكيمياء، أقول لهم ما معناه:  الشّاعر ـ في أسلوبه وطريقته في التعاطي مع عناصر محيطه ـ هو مُخْتَبِر ومُجَرِّب، كما مُهندس الكيمْياء الذي يمزج أنواعًا متباينة من المواد مع بعضها البعض، ثم يصل بها إلى درجة حرارة معينة ليبدأ بعدها بمراقبة نتائج التجربة ومدى نجاحها. وأُضيف: بالطبع لا يتعامل الشاعر مع العناصر والمركبات الكيميائية بل مع ناس من لحم ودم، ممن ينتمون علميًا وعمليًا إلى مجالات علوم مختلفة. لكن جملة عواطفهم وردّات أفعالهم على الظروف الخارجية وكذلك منظومة أفكارهم بالكامل وتفاعلها مع بعضها تتبع للقوانين التي اكتشفها الباحث العلمي وفحصها بتروٍّ وإمعان. وهكذا يتعيّن على الشاعر في مُخَتَبِره ـ كما الكيميائيّ حين يسعى لإنتاج شيء معقول وليس لإنتاج خليط موادٍ لا قيمة تذكر له ـ مراعاة هذه القوانين عند قيامه بتجاربه واختباراته بكامل الحرية وحساب القوى المؤثرة والآثار الناتجة مسبقًا).

 

الحياة اللاهامشية في أوروبا الصناعية بكل الدقائق والأحاسيس، شريطة إتقان اللغة واحترام أسلوب العيش السائد، تصقل أسلوب القراءة والكتابة وتُعلِّم الإبداع حتى لو لم يكن الإنسان موهوبًا أو قارئًا جيدًا، تُعلِّم الحفاظ على الأفكار، على صيانتها، ترتيبها، تتابُعِها وتدرُّجها، تُعلِّم المنطق وتَسَلْسُلِه وارتباطاته ومداخله ومخارجه ومؤثراته، إنّه منطق وتفكير الصندوق الأسود في علم الهندسة والأنظمة والملاحة، دون معرفة الهيكلية الداخلية للمنظومة، ببوابة للدخول قوامها الطاقة والمادة والإشارة، وبوابة للخروج قوامها الطاقة والمادة والإشارة بأشكالٍ أخرى، ومؤثرات وسط- محيطية- جانبية، الهدف منها جميعًا هو أداء وظيفة ما بمردود عالٍ، هذا النمط من المعالجة النصية- المعملياتية ـ يشبه عملية تحويل الحليب إلى جبن، أو عملية تحويل البيانات الكومبيوترية من نموذج إلى آخر.

لعلّ من يدرس الهندسة ويمتلك بعض الثقافة والكثير من الدفق العاطفي الصادق وبعض التجربة الناتجة عن مزج ثقافتين في عالمين مجتمعّيين مُتَناقِضين، قادرٌ على خلق نوع أدبي إبداعي جديد، كما الأدباء المختصين، حتى لو لم يستوف دعائم الزاد الحيدرية الأساسية الثلاث التي تجعل من الإنسان كاتبًا والمُتَمَثِّلة بالقراءة والثقافة أولاً، بالتجربة الحياتية ثانيًا وبالموهبة ثالثًا، دون أن تهيمن واحدة على الأخرى، كأن تهيمن الحالة الثقافية مثلاً مقابل ضمور التجربة وتكراريتها من خلال التماس المحدود مع الواقع، أو ما سماه الأديب حيدر حيدر بموت العالم- الواقع في حقل استبداد الوعي!

سأله الأديب الدكتور هاني الراهب في حوارٍ شخصيّ ذات يوم: لماذا تَوْقك الحار إلى السفر يا حيدر؟

أجاب الأديب حيدر: لتغتني الحياة والأدب بالتجربة يا هاني.

ردَّ هاني مشيرًا إلى رأسه: الأدب والعالم هنا، بإمكاني أن أكتب عشر روايات دون أن أخرج من هذا القبو أو هذا البلد. 

السرد المتواضع للبعض من حكايات وذكريات الطفولة والمراهقة، التي قد لا تشبه طفولتي ومراهقتي بشيء، ليس بالجديد أو الاِستثنائيّ. هناك العديد من الهُواة ممن يحكون كتابةً وبكل اللغات عن ذكرياتهم. لا توجد هنا عذابات ولا جروح ولا شَكاوَى ولا اِهتراءات ماضوية ولا اِستثناءات حياتية مُرهِقة ولا محاولات اِنتقامية من المجتمع أو السلطة، مباشرة أو غير مباشرة، ولا أثر للمسوخيات البليدة. ثَمَّت فقط حَيِّز من الحرية الداخلية وبعض من وقت الفراغ الذي تَوّجَبَ عليّ استثماره، فاستثمرته جيدًا لأسرد حكايات شبه واقعية غير مؤلمة ولا استثنائية بل تتقاطع مع حكايات الآلاف ممن ينتمون إلى شريحة اِجتماعية اِقتصادية مُحدَّدة. أردت من خلالها مشاركة الآخرين إنسانيًا والتواصل معهم إيجابيًا وحسب، مُرحّبًا بالتَمَرُّد الواعي، رافضًا للسلبية والاِنصياع والكتابة الروتينية عن الدم والقتل والخطف والاِغتيال، كما يخططون لنا، نائيًا بنفسي عن الكتابة حول الرفاهية البديهية الإلزامية للحياة اليومية في أوروبا الغربية، طالما أنّ هناك طيفًا واسعًا من الشعب البسيط في وطني يعاني الأَمَرَّين من بطش آلة القمع الدكتاتوريّ وآلات الإرهاب الديني، التي كلها وآثارها إلى زوال لا محالة.

 

* سوريا ـ ألمانيا.

* من كتاب (من الرفش إلى العرش).

شاهد أيضاً

رحاب السماحي

صناعة الأصنام .. رحاب السماحي

  لم تنتابني أية دهشة حيال السعار والزوبعة التي نجمت عن انتقاد الشيخ الشعراوي، كنت …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية